الاحداث- كتب شارل جبور في صحيفة نداء الوطن يقول:"يشهد لبنان، مع العهد الجديد الذي انطلق بانتخاب الرئيس جوزاف عون وتكليف الرئيس نواف سلام، مسارًا وطنيًا وسياسيًا وأمنيًا غير مسبوق، يهدف إلى إعادة الاعتبار للدولة وإنهاء منطق "الساحة" الذي طبع تاريخه منذ منتصف ستينات القرن الماضي. فخطاب القَسَم، والبيان الوزاريّ، والقرارات الصادرة عن مجلس الوزراء في 5 و 7 آب و 5 أيلول، تشكّل مجتمعةً إطارًا واضحًا لمحاولة جدّية لتطبيق الدستور للمرّة الأولى منذ إقراره، عبر بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها ونزع السلاح غير الشرعي، وفي مقدّمه سلاح "حزب اللّه".
تشكّل هذه الخطوات بداية تفكيك المنطق الذي حوّل لبنان، لعقود، إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية، وصراعات المحاور، وتصفية الحسابات الإقليميّة، والاستقواء على الداخل، ومصادرة قرار الدولة. وهو منطق بدأ مع التنظيمات الفلسطينية المسلّحة، بتسهيل وتواطؤ من نظام حافظ الأسد، واستُكمِل لاحقًا مع "حزب اللّه" الذي ورث هذا الدور تحت عنوان "المقاومة"، بتواطؤ كامل مع النظام الأسديّ، وربطه مباشرة بالمشروع الإيراني في المنطقة.
ولا شكّ أن هذا المسار ذاهب إلى خواتيمه في ظلّ إصرار أميركي واضح على إنهاء الدور الإيراني المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط. فإيران لم تعد قادرة على استعادة أدوارها الإقليميّة كما عرفتها المنطقة، لا سياسيًا ولا أمنيًا. ولن يستغرق هذا التحوّل وقتًا طويلًا، إذ إن القرار الأميركي والدولي والإقليمي قد اتُخذ، ولا عودة إلى الوراء، والعدّ العكسيّ بدأ.
وقد أصبح وضع "حزب اللّه" أكثر هشاشة من أي وقت مضى، في ظلّ حصار مطبق عسكري ومالي ورسمي وجغرافي وسياسي وشعبي. ومن غير الممكن لإسرائيل أن تقبل بوجود مكوّنات ميليشياوية إيرانية في دول الطوق تشكّل تهديدًا مباشرًا لأمنها. وبعد الترتيبات الأمنية التي أُنجزت مع النظام الجديد في سوريا، وإنهاء الوضعية الخاصة مع "حماس"، لم يبقَ سوى لبنان. لذلك تُبقي إسرائيل الوضع تحت سيطرتها العسكرية والأمنية عبر استهدافات متواصلة، مع احتمال الانزلاق إلى جولة ثانية إذا اقتضى الأمر، بهدف القضاء على هذا الواقع نهائيًا. غير أن إسرائيل تترقب في الوقت نفسه مسار القرار الأميركي حيال إيران، الذي قد يعفيها من هذه الجولة، إذ إن إخضاع طهران يُنهي "الحزب"، وإسقاط نظامها ينهيه حكمًا.
ويمكن القول، بل الجزم، إن ملف سلاح "حزب اللّه" انتهى من حيث المبدأ. لم يبقَ سوى مواقف صوتية لا ترجمة عملية لها على الأرض، في ظلّ عجز "الحزب" عن التكيّف مع المعطيات الجديدة التي دخل فيها لبنان رسميًّا، ودخلت فيها المنطقة بأكملها. فلا جسر استراتيجيًا متبقٍ من طهران إلى بيروت، ولا قدرة على إعادة التموضع العسكري، ولا غطاء رسمي داخلي، ولا هوامش حركة خارجية.
لكن، على أهمية هذا المسار، فهو غير كافٍ وحده. إذ إن إسقاط السلاح غير الشرعي بالقوة، وعبر بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها، لا يكتمل من دون إسقاط الذريعة التي استُخدمت منذ منتصف ستينات القرن الماضي، وورثها "حزب اللّه" عن التنظيمات الفلسطينية، أي ذريعة "مواجهة إسرائيل". هذه الذريعة دمّرت لبنان، وإسقاطها هو المدخل الأساس لإعادة الاعتبار للدولة.
ومن هنا، تبرز ضرورة التوازي بين بسط سلطة الدولة ونزع السلاح من جهة، وإسقاط الذريعة الإسرائيلية من جهة أخرى. وهذا لا يتحقق إلّا عبر اتفاق أمنيّ ضروريّ بين لبنان وإسرائيل، يؤكّد التزام الدولة اللبنانية رفض استخدام أراضيها منطلقًا لأيّ أعمال عسكرية أو أمنية ضد إسرائيل، مقابل التزام إسرائيلي مماثل بأمن لبنان، وانسحاب من النقاط التي لا تزال تحتلّها، ووقف الاستهدافات والخروقات للسيادة اللبنانية.
مثل هذا الاتفاق، يُسقط نهائيًا الحجّة التي لطالما استخدمها "حزب اللّه" لتبرير سلاحه ودوره، ويكشف حقيقة رفضه أي تفاوض أو أي آلية تفاوضية مدنية وسياسية، لأن بقاء حالة العداء هو شرط بقاء دوره. ومن المعلوم أن إسرائيل انسحبت من تلقاء نفسها عام 2000، ما يُسقط كذبة أطماعها في لبنان، كما أسقط الجيش الإسرائيلي في حربي تموز 2006 وتشرين 2023 كذبة قوّة ما يُسمّى "المقاومة". وإزالة هذه الكذبة باتت ضرورة قصوى لإنهاء الحالة الشاذة التي أبقت لبنان ساحة مفتوحة.
لذلك، تفرض المرحلة المقبلة السير في ثلاثة مسارات متلازمة:
أولًا، تسريع احتكار الدولة السلاح من خلال بسط سلطة الدولة والجيش على كامل الأراضي اللبنانية تنفيذًا للدستور والقرارات الدولية وخطاب القسم والبيان الوزاري وقرار 5 آب الحكومي.
ثانيًا، تسريع صدور قرار واضح عن مجلس الوزراء يؤكّد أنه لا يوجد في لبنان ما يُسمّى "مقاومة"، وأن أيّ حديث في هذا الاتجاه سيُتعامل معه على أنه تهديد للأمن القومي، وتُلاحق الجهات التي تروّجه وفق الأصول القضائية.
وثالثًا، تسريع المفاوضات مع إسرائيل للتوصّل إلى اتفاق أمنيّ يُنهي الذريعة كما يُنهي السلاح غير الشرعي.
وحده هذا التلازم الثلاثي ينقل لبنان فعليًا من ساحة مفتوحة إلى دولة سيّدة.