Search Icon

عُصمةُ "اتفاق مكَّة"، معقودةٌ
على اختبار جديَّة الردع الجماعي!

منذ ساعة

سياسة

عُصمةُ اتفاق مكَّة، معقودةٌ
على اختبار جديَّة الردع الجماعي!

الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*

لعلَّ أُولى البواكير الإيجابية، للحرب على إيران، إنْ كان للحربُ إيجابيات، هو خلقُ الظروف الدافعة، لاتِّكال خصوم إيران، على أنفسهم لتأمين أمنهم الكياني. ورُبَّما، يأتي يومٌ تُشكرُ إيران، من قِبَل خصومها، على توفيرها لهم فرصةَ التحرُّر من التبعية الخارجية، لتأمين أمنهم بقواهم الذاتية، إن أحسنوا التصرُّف.

تتمثَّلُ الباكورةُ الإيجابيةُ، بإعلان "اتفاق مكَّة للدفاع المشترك"، يوم السابع من آب الجاري، بين السعودية وتركيا وباكستان، بهدف " تعزيز الردع الجماعي ضد أيِّ عملٍ عدوانيٍّ"، مع نصٍّ صريحٍ بأنَّ "أيّ هجومٍ مسلَّحٍ ضدَّ أيٍّ من الدول الثلاث، يُعد هجوماً عليها مُجتمعةً".

لَكَمْ تطلَّعت الشعوبُ العربيةُ والإسلاميةُ، لا إلى تحالُفاتٍ صُوَريةٍ، على شاكلة "جامعة الدول العربية، بل إلى تحالُفاتٍ تُلزمُ أعضاءَها بالتحرُّك الجماعي، كلَّما تعرَّضَ عُضوٌ إلى اعتداءٍ، على ما يُؤملُ من اتفاق مكَّة الجديد! فالوصولُ إلى هذا الاتفاق، لم يأتِ من فراغٍ، أو بدافع صحوةٍ، سبَّبَتها المآسي الناتجة عن مّضاعفات قيام الكيان الإسرائيلي، في قلب العالم العربي، مُنذ ثمانية عُقود، بل بسبب مضاعفات الحرب على إيران. ومع ذلك، خيرٌ للعالم العربي والإسلامي، أنْ يتمَّ التوصُّلُ إلى هذا الاتفاق الآن، من عدمه. إلّا إنَّ اقتصارَ الإتفاق، على احتواء إيران، لا يفي بالغرض المنشود، ما لم يُقترنْ بتجاوُز قضية إيران، إلى وقف النكبات المُتناسلة، في دنيا العرب والمسلمين.

لا تخفى الظروفُ المُحيطة بالتوصُّل إلى "اتفاق مكَّة للدفاع المشترك"، لا سيَّما حالةُ الإضطراب الخطير، التي ضربت العالم العربي، منذ السابع من تشرين الأوَّل 2023، وارتدادات "عملية "طوفان الأقصى" الكارثية، مُروراً بحرب "إسناد غزَّة"، ومن بعدها حرب "إسناد إيران"، والإنتقام لمقتل مُرشدها، دون نسيان سقوط النظام السوري المُدويً، والحرب على إيران.

تلك الظروفُ خلخلت قواعدَ النُظُم السياسية والأمنية، لدى العرب والعجم، ما كشفَ وهنَ التحالُفات المعروفة المُتآكلة، على وجاهتها. كما خلقَت، بالتالي، حاجةَ السعودية، راعية "اتفاق مكَّة"، إلى التحرُّك السريع، لمحاصرة الحصار المفروض عليها، من إيران في الشمال، والحشد الشعبي من الشرق، والحوثيين من الجنوب. هذا، إضافةً إلى محاصرتها ودول الخليج، من مضيق هرمز إلى باب المندب، وُصولاً إلى قناة السويس، بعدما لامست النيرانُ دُوَلَ مجلس التعاوُن بالصميم.

فـ"اتفاقُ مكَّة" يأتي تكملةً لـ"اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المُشترك"، بين السعودية وباكستان، الموقَّعة في 17 كانون الأوَّل 2025، وتكملةً لـ"لتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات"، الذي رعته السعودية أواخر تمُّوز 2026. والإتفاقُ دفاعيٌّ وقائيٌّ، لا ينطوي على نوايا هجوميةٍ، بل لردع الإنفلات بلا ضوابط، لخرق سيادة الدول، وتهديدها بضرب بناها التحتية، بما في ذلك مُنشآت تحلية المياه وآبار الطاقة وسلاسل توريدها .. لذلك، تكمنُ أهميةُ اتفاق مكَّة، في أنَّه كلٌّ مُتكاملٌ، يجمعُ المالَ والعسكرَ والإقتصادَ، إلى البُعد الديموغرافي والعصب الروحي، والموقع الإستراتيجي، والتقدُّم التكنولوجي والردع النووي ..

لهذه المعطيات، من حقِّ القاصي والداني، المُتوجِّس من قيام أيّ تكتُّلٍ وازنٍ، يتوهَّمُ أنَّه قد يُشكِّلُ تهديداً لمصالحه، أنْ يتحسَّسَ من "اتفاق مكَّة"، الذي يبعثُ برسائل، في كلِّ الإتجاهات، غرباً إلى الحليف البعيد، قبل الخصم الإقليمي، من إسرائيل إلى الولايات المتحدة، مروراً بإيران.

فالأحداثُ الراهنةُ، التي قاساها الشرقُ الأوسطُ، أظهرت هشاشةَ التحالفات الإقليمية، ما أوجبَ الإتكالَ على الذات، وعلى البيئة اللَّصيقة. وبذات القدر، لم تنفع سياسةُ المُهادنة والإحتواء، التي توسَّلَتها الدول العربية، عموماً، والخليجية خصوصاً، لتُجنُّب ارتدادت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بعد تمادي هذه الأخيرةُ باستهداف دول الخليج، بحجَّة ضرب القواعد الأميركية. وعليه، فالحليفُ والخصمُ يترقَّبان جديَّةَ التحالفُ الناشئُ، في التعاطي مع التحديات القائمة، إذا ما تعرَّضَ أحدُ أضلاعه إلى أعتداءٍ.

فالمنتظرُ من تحالف مكَّة، أنْ يتصرَّفَ يداً واحدةً، ساعة الإختبار، وفق البند القائل بأنَّ الإعتداء على أحد الأعضاء، يُعتبرُ اعتداءً على جميع أعضائه. فإذا تنادى المُتحالفون الثلاثة إلى الردِّ مُجتمعين، عندها، سيُعيدُ الحليفَ والخصمَ حساباته، إذ سيتحسَّس الحليفُ من إمكانية الإستغناء عن وصايته، بينما يُلجمُ الخصم، أمام جديَّةُ التحالف.

من نافل القول، أنَّ العالمَ العربي والإسلامي، بأمسِّ الحاجة إلى تجاوز الحساسيات البائدة، لمواجهة التحديات المُدمِّرة، قبل فوات الأوان. فالأحداثُ الجاريةُ تُثبتُ، بما لا يتركُ مجالاً للشكّ، بحقيقة النوايا التوسُّعية الإسرائيلية، بقدر ما تُظهرُ حجم الأضرار، التي سبَّبَها فشلُ سدِّ الفجوات، بين إيران الثورة الإسلامية والدول العربية، على مدى عقودٍ.

وبالرُّغم من الآمال المعقودة على هذا الاتفاق، لجهة الأمل باستغناء هذه المنطقة، عن الحمايات الخارجية، المُكْلفة سياسياً واقتصادياً وسياديّاً، والإمساك الجاد بالمصير، من المُبكر الحكمُ على مآله، في نقل الشرق الأوسط، من حال التآكُل والإنحلال، إلى حال الإنبعاث والثبات، ضنّاُ بما حباه الله من نِعَمٍ، باتَ من الخزي والعار الإستمرارُ بالتضحية بها. ويبقى الغرقُ بالتفاؤل المُفرط، متنافياً مع واقع دوران ثُلاثي الاتفاق، في الفلك الأميركي، بشكلٍ أو بآخر، ما يُرخي بظلال الشكّ، توجُّساً من أنْ يكونَ اتفاقُ مكَّة، لباساً مُحدَثاً للهيمنة الأميركية المُترهِّلة.

من البداهة أنْ ترتاحَ النُخَبُ العربيةُ والإسلاميةُ، لولادة "اتفاق مكَّة"، في ظلِّ جموح النزعة العسكرية الإسرائيلية والإيرانية، وما ينتجُ عنها من تعميق الصراع وسباق التسلُّح. هذا، مع التحذير من ضياع بوصلة التركيز، على علَّة العِلَلُ المُتمثِّلة بالمشروع الإسرائيلي الآخذ بالهيمنة، وبما يُزيلُ الشكوكَ بأنَّ الإصطفافاتُ السياسيةُ، فعلاً وردَّةَ فعلٍ، باتَت ترسو على ثلاثة مُكوِّناتٍ، تُختصرُ بالخلفية الطائفية، لكلٍّ من إسرائيل وإيران والعالم العربي والإسلامي.

* سفير سابق