الاحداث- كتبت سيدة مبارك
أتى إقرار قانون الإعلام الجديد في لبنان في لحظة شديدة الحساسية، لا على المستوى المحلي فحسب، بل على مستوى المشهد الإعلامي العالمي الذي تغيّر جذرياً بفعل الثورة الرقمية. فالمعلومة لم تعد حكراً على المؤسسات الصحافية والإعلامية، بل باتت تنتقل خلال ثوانٍ عبر المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح الخبر قادراً على الوصول إلى ملايين الأشخاص قبل أن تتمكن أي غرفة أخبار من التحقق منه أو حتى رصده.
وفي هذا الواقع، برزت ظواهر جديدة، من بينها التلاعب بالمعلومات والأخبار الكاذبة وما يمكن تسميته بـ”الكذبة الإعلامية”، التي قد تتحول، بفعل سرعة انتشارها وتكرار تداولها، إلى حقيقة راسخة في أذهان الجمهور، ولا سيما في ظل غياب الضوابط المهنية والقانونية. ولم تعد المشكلة مقتصرة على الخبر الكاذب، بل امتدت إلى تبدّل اللغة المستخدمة في المجال العام، حيث أصبحت عبارات التشهير والتخوين والتنمر والإهانة تُقدَّم أحياناً تحت عنوان “حرية التعبير” و”إبداء الرأي”.
من هنا، يرى المؤيدون لقانون الإعلام الجديد أن إقراره لم يعد ترفاً تشريعياً، بل حاجة فرضتها التحولات التي طرأت على المهنة وعلى البيئة الإعلامية. فالمطلوب، وفق هذا المنظور، ليس التضييق على الإعلام أو تقييد الصحافيين، بل الانتقال من مرحلة وضع القواعد إلى مرحلة التطبيق والمحاسبة، كي لا تتحول حرية التعبير إلى غطاء لتزوير الحقائق أو نشر الافتراءات، خصوصاً بعدما أصبح بإمكان أي شخص أن يظهر على شاشة إعلامية أو منصة رقمية تحت مسمى “اعلامي ومحلل سياسي”، من دون أن يعني ذلك بالضرورة امتلاكه المعرفة أو الاختصاص أو المسؤولية المهنية التي يفترضها العمل الإعلامي.
لكن في المقابل، فإن الدعوة إلى تنظيم الإعلام لا يمكن أن تنفصل عن سؤال أساسي: كيف نضمن ألا يتحول التنظيم إلى أداة للرقابة؟
فلبنان، الذي دفع الصحافيون فيه أثماناً باهظة دفاعاً عن حرية الكلمة، يعرف جيداً مخاطر تحويل الإعلام إلى مساحة خاضعة للوصاية السياسية. ويكفي استحضار مرحلة الهيمنة السورية على لبنان، حين خضعت أجزاء أساسية من الحياة العامة، ومنها المشهد الإعلامي، لتأثير النظام السوري ومصالحه. وقد انعكس ذلك على الصحافة اللبنانية التي واجهت التضييق، فيما دفع عدد من الصحافيين والإعلاميين حياتهم ثمناً لمواقفهم السياسية والفكرية، ومن بينهم سمير قصير وجبران تويني، فضلاً عن محاولة اغتيال مي شدياق وغيرها من الاعتداءات التي استهدفت أصحاب الرأي.
لذلك، فإن هواجس المعترضين على القانون لا يمكن اختزالها برفض مبدأ تنظيم الإعلام. فالمشكلة الأساسية تكمن في ضمان عدم استخدام النصوص القانونية لإعادة إنتاج نماذج سابقة من الهيمنة، وإن بأدوات جديدة.
وتبرز في هذا السياق المادة 104، التي أثارت اعتراضات واسعة، إذ تنص على معاقبة من يتعمّد اختلاق معلومات مضللة أو نشر أخبار كاذبة بالحبس مدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات، إضافة إلى غرامة مالية أو إحدى العقوبتين. وهنا تحديداً يبرز التحدي الأصعب: كيف يمكن التمييز بين الخبر الكاذب المتعمّد، والخطأ الصحافي، والتقدير المهني، والرأي، والتحليل، والمعلومة غير المكتملة التي قد تتغير مع ظهور معطيات جديدة؟
فالصحافة المهنية تقوم أساساً على التحقق، لكنها ليست معصومة عن الخطأ. ولذلك فإن حماية الجمهور من التضليل يجب ألا تتحول إلى وسيلة لمعاقبة الصحافي على خطأ مهني غير مقصود، أو إلى أداة تستخدم لإسكات تحقيق صحافي مزعج أو كشف ملف فساد يمس مصالح نافذين.
وفي المقابل، لا يمكن أيضاً استخدام شعار حرية الصحافة لتبرير اختلاق الأخبار وترويج الشائعات وتشويه سمعة الأشخاص أو التحريض عليهم. فالحرية من دون مسؤولية يمكن أن تتحول إلى فوضى، كما أن المسؤولية من دون حرية يمكن أن تتحول إلى قمع.
واللافت أن مشروع القانون يتضمن في المقابل مجموعة من الإصلاحات المهمة التي تستحق التوقف عندها. فهو ينظم الإعلام الإلكتروني، ويكرّس قواعد جديدة للتعامل مع التطور الرقمي، ويمنع التوقيف الاحتياطي في الجرائم الإعلامية، كما ينشئ إطاراً قضائياً مدنياً متخصصاً للنظر في قضايا الرأي والإعلام، ويلغي اختصاص المحكمة العسكرية في الجرائم الإعلامية التي يشملها القانون.
وتشكل المادة 114 إحدى أبرز الضمانات في هذا المجال، إذ تنص على عدم جواز التوقيف الاحتياطي في الجرائم المرتكبة بواسطة وسائل الإعلام والوسائل الإلكترونية، أياً كانت صفة الفاعل أو مهنته. وهذه خطوة إيجابية أساسية، لأنها تمنع احتجاز الصحافي خلال التحقيق والمحاكمة لمجرد وجود شكوى إعلامية بحقه.
أما المادة 111، فتنص على إنشاء غرفة مدنية ابتدائية في كل محافظة تختص بالنظر في جرائم الرأي والإعلام، فيما تحدد المادة 112 أصول المحاكمة وطرق الطعن. وتأتي المادة 113 لتلغي صلاحية المحكمة العسكرية بالنسبة إلى الجرائم المتعلقة بالرأي والإعلام المنصوص عليها في القانون، بما فيها الجرائم التي كانت تدخل ضمن المادة 157 من قانون القضاء العسكري.
وهذا التطور مهم جداً، لأنه يكرس مبدأ محاكمة الصحافي أمام القضاء المدني المختص، بدلاً من إخضاعه للمحكمة العسكرية بسبب مضمون رأي أو مادة إعلامية تقع ضمن نطاق القانون.
لكن، في خضم كل هذا النقاش، يجب ألا ننسى أن إقرار قانون إعلام جديد بعد نحو ثلاثين عاماً من العمل بقانون قديم ومترهل هو بحد ذاته إنجاز تشريعي مهم. فمجرد الانتقال من قانون أصبح عاجزاً عن مواكبة التطور الهائل الذي أصاب المهنة ووسائلها، إلى قانون يحاول التعامل مع الإعلام الإلكتروني والمنصات الحديثة والجرائم الإعلامية وحقوق الصحافيين، يشكل خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها.
قد تكون هناك ثغرات، وقد تكون هناك مواد تحتاج إلى تعديل أو توضيح، وقد تكون هناك ضمانات إضافية يجب تكريسها، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن لبنان كان يحتاج منذ سنوات طويلة إلى قانون جديد يواكب العصر. فالبديل عن القانون الجديد ليس بالضرورة قانوناً مثالياً، بل كان في كثير من الأحيان استمراراً في العمل ضمن إطار تشريعي قديم لم يعد ينسجم مع واقع الإعلام الحديث.
ومن هنا، فإن انتخاب قانون جديد لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش، بل بدايته. فالخطوة التالية يجب أن تكون استكمال عملية تنظيم القطاع الإعلامي من جوانبها المهنية والمؤسساتية، وفي مقدمتها تنظيم النقابات وغربلتها من حاملي لقب “إعلامي” من دون أن تكون لهم صلة فعلية بالمهنة.
فالمشكلة ليست في كل من يعمل في الإعلام، ولا في كل صاحب رأي أو ناشط أو مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي. المشكلة تبدأ عندما يصبح لقب “صحافي” أو “إعلامي” غطاءً لممارسة لا علاقة لها بأخلاقيات المهنة ولا بقواعدها. وهنا يجب أن تكون النقابات أكثر صرامة في تحديد من هو الصحافي، ومن يستحق الانتساب إليها، ومن يمارس المهنة فعلياً، ومن يستخدم اللقب لتحقيق أهداف سياسية أو شخصية أو تجارية.
إن تنظيم المهنة لا يعني إقصاء أصحاب الآراء، ولا مصادرة حق أي مواطن في التعبير. لكنه يعني أن يكون هناك فارق واضح بين الإعلامي المهني وبين من يستخدم الشاشة أو المنصة الإلكترونية لمجرد إطلاق الاتهامات أو الشتائم أو الأخبار غير الموثوقة.
فالصحافي الحقيقي ليس من يرفع صوته أكثر، ولا من يملك أكبر عدد من المتابعين، ولا من يستطيع مهاجمة هذا السياسي أو ذاك المسؤول. الإعلامي الحقيقي هو من يلتزم الموضوعية والدقة، ويتحقق من معلوماته، ويفصل بين الخبر والرأي، ويعرض الوقائع كما هي، ويمنح الأطراف المعنية حق الرد، ولا يسمح لانتمائه السياسي أو الشخصي بأن يحوّل مهنته إلى أداة تصفية حسابات.
والصحافي المهني الذي يلتزم هذه القواعد لن يحتاج إلى أن يخشى السجون لمجرد أنه انتقد أصحاب النفوذ. فالسلطة الحقيقية للصحافة لا تأتي من قدرتها على إطلاق الاتهامات، بل من قدرتها على تقديم الوقائع والأدلة والمعلومات للرأي العام بمهنية واستقلالية.
وهنا تحديداً يجب أن يكون النقاش حول قانون الإعلام أكثر نضجاً. فالمطلوب ليس قانوناً يحمي الصحافي من كل مساءلة، كما ليس المطلوب قانوناً يجعل الصحافي خائفاً من كل كلمة يكتبها. المطلوب قانون يحمي العمل الصحافي المهني، ويحاسب من يتعمد التضليل أو التشهير، ويحمي في الوقت نفسه حق الصحافي في التحقيق والنقد وكشف مكامن الخلل والفساد.
وفي بلد مثل لبنان، حيث تتداخل السياسة بالإعلام، وتملك القوى السياسية نفوذاً واسعاً على المؤسسات والمنابر، تصبح مسألة استقلال القضاء وتطبيق القانون بعدالة لا تقل أهمية عن صياغة النص نفسه.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية لا ينبغي أن تكون بين فريق يقول إن القانون “مجزرة”، وفريق يعتبره انتصاراً كاملاً للإصلاح. فالحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك. القانون يتضمن إصلاحات ضرورية، لكنه يحتاج إلى قراءة دقيقة وضمانات واضحة تحول دون استعمال مواده بما يقيّد حرية الصحافة والتعبير.
المطلوب اليوم ليس العودة إلى زمن الفوضى الإعلامية، ولا العودة إلى زمن الوصاية على الإعلام. المطلوب بناء إعلام حر ومسؤول في آن واحد؛ يعرف أن حرية الكلمة حق، وأن هذا الحق لا يعني تزوير الوقائع أو اغتيال السمعة، كما يعرف أن المحاسبة لا تعني إسكات الصحافي أو تخويفه.
فالإعلام اللبناني لا يحتاج إلى حماية من النقد، بل إلى حماية من القمع. والمجتمع لا يحتاج إلى إعلام بلا ضوابط، بل إلى إعلام مهني يستطيع المواطن أن يثق به. وبين هذين الهدفين يجب أن يقف قانون الإعلام: سياجاً يحمي الحرية، لا جداراً يحجبها.
وفي النهاية، يبقى الاختبار الحقيقي للقانون في طريقة تطبيقه. فإذا طُبّق لحماية الحقيقة وكرامة الإنسان وحق الجمهور في المعرفة، فإنه يمكن أن يشكل خطوة إصلاحية مهمة. أما إذا استُخدم لمعاقبة الرأي المختلف أو إسكات التحقيقات الصحافية أو الضغط على المؤسسات الإعلامية، فإن النصوص مهما بدت إصلاحية ستتحول إلى أداة جديدة من أدوات التضييق.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة يجب ألا تكون مرحلة الاحتفال بإقرار القانون أو رفضه فقط، بل مرحلة مراقبة تطبيقه، وتقييم آثاره، وتصحيح ثغراته، والأهم استكمال عملية تنظيم المهنة نفسها. فالقانون وحده لا يصنع إعلاماً مهنياً، كما أن النقابة وحدها لا تصنع صحافيين. ما يصنع الإعلام الحقيقي هو اجتماع القانون العادل، والنقابة المنظمة، والقضاء المستقل، والصحافي المهني الذي يعرف حدود مهنته كما يعرف قيمة حريته.
وعندها فقط يمكن أن يصبح القانون الجديد بداية لمرحلة إعلامية مختلفة في لبنان: مرحلة لا يخاف فيها الصحافي من صاحب نفوذ لأنه يمارس مهنته بمهنية ودقة وموضوعية، ولا يستطيع فيها منتحل صفة الإعلامي أن يشوّه المهنة تحت اسم حرية التعبير.
فحرية الصحافة ليست حصانة للكذب، كما أن تنظيم الإعلام ليس ترخيصاً للقمع. وبينهما تقف مهنة يجب أن تستعيد مكانتها واحترامها: مهنة تبحث عن الحقيقة، وتنقلها بدقة، وتنتقد بلا خوف، وتحاسب بلا تشهير.