الاحداث- كتبت ليلى خوري
في وقت تبحث فيه الدولة اللبنانية عن وسائل لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال من الخارج عبر مشاريع مثل منح “الإقامة الذهبية” للمستثمرين الأجانب مقابل استثمارات مالية محددة، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن إقناع اللبناني نفسه بالبقاء في وطنه؟
فخلال السنوات الأخيرة، لم يغادر اللبنانيون بلادهم بحثاً عن الرفاهية أو المغامرة، بل هرباً من واقع اقتصادي منهار، ومؤسسات عاجزة، وفرص عمل نادرة، وخدمات عامة متراجعة، وأزمات أمنية وسياسية متكررة. وبينما تراهن الدولة على استقطاب مستثمر أجنبي يدفع مئات آلاف الدولارات للحصول على إقامة طويلة الأمد، فإنها تبدو عاجزة حتى الآن عن توفير الحد الأدنى من المقومات التي تمنع هجرة شبابها وكفاءاتها.
لا شك في أن الاستثمار الأجنبي عنصر أساسي لأي عملية نهوض اقتصادي، لكن التجارب العالمية أثبتت أن المستثمر لا يجذبه جواز إقامة أو حوافز مالية فحسب، بل يبحث أولاً عن بيئة مستقرة، وقضاء مستقل، وإدارة شفافة، وقوانين تطبق على الجميع، وبنية تحتية قادرة على دعم الأعمال. فالاستثمار الحقيقي يذهب إلى حيث توجد الدولة الفاعلة، لا إلى حيث تُمنح الامتيازات الورقية فقط.
لقد خسر لبنان خلال العقد الأخير مئات آلاف أبنائه من أصحاب الاختصاصات والكفاءات، من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين ورواد أعمال وشباب طموحين. وهذه الخسارة لا تعوضها أي برامج لاستقطاب المستثمرين الأجانب، لأن رأس المال البشري يبقى الثروة الأغلى لأي بلد. وما يحتاجه لبنان اليوم ليس فقط جذب الأموال، بل أيضاً استعادة الثقة المفقودة بين المواطن والدولة.
إن الحديث عن “الإقامة الذهبية” يصبح أكثر إقناعاً عندما يسبقه مشروع وطني لبناء “دولة ذهبية”: دولة تحمي الحقوق، وتفرض القانون، وتحارب الفساد، وتؤمن الخدمات الأساسية، وتكافئ الكفاءة بدل المحسوبيات. عندها فقط سيشعر اللبناني أن مستقبله يمكن أن يكون في وطنه، وسيجد المستثمر الأجنبي نفسه راغباً في المجيء من دون الحاجة إلى إغراءات استثنائية.
لبنان لا يحتاج إلى تسويق نفسه للمستثمرين بقدر ما يحتاج إلى إصلاح نفسه أمام أبنائه. فحين يختار اللبناني البقاء في بلده، يصبح جذب الاستثمار نتيجة طبيعية، لا هدفاً صعب المنال. وقبل أن نبحث عمن يأتي من الخارج، ربما يكون الأجدى أن نسأل: ماذا فعلنا كي لا يرحل من هم في الداخل؟
لأن الوطن الذي ينجح في الاحتفاظ بأبنائه هو وحده القادر على استقطاب الآخرين. وقبل الإقامة الذهبية، يبقى لبنان بحاجة إلى دولة ذهبية.