الاحداث- كتبت سلوى بعلبكي في صحيفة النهار تقول:"منذ عام 2019، تراجعت رواتب بعض موظفي القطاع العام إلى ما يقارب 100 دولار شهرياً بعد انهيار سعر الصرف، فيما انخفضت موازنة الدولة من نحو 19 مليار دولار قبل الأزمة إلى ما بين 4 و4.5 مليارات دولار، قبل أن ترتفع تدريجاً إلى نحو 6 مليارات دولار.
وأمام ضغط موظفي القطاع العام والعسكريين المتقاعدين في الشارع، اختارت الحكومة سيناريو إصلاحياً تبلغ كلفته السنوية نحو 800 مليون دولار لتمويل زيادات في الرواتب والتعويضات، مع تقدير إيرادات إضافية بنحو 600 مليون دولار، ما يعني فجوة تمويلية تقارب 200 مليون دولار ينبغي سدّها عبر تحسين الجباية وتعزيز الإيرادات.
القرار وفق ما يؤكد وزير المال ياسين جابر يستند إلى معادلة تقضي بأن كل زيادة في الإنفاق يجب أن تقابلها إيرادات فعلية، تجنباً لتكرار تجارب العجز التي قادت إلى تضخم وانهيار نقدي خلال السنوات الست الماضية. وهذا التوجّه يؤيّده مصرف لبنان الذي شارك ممثله نائب حاكم مصرف لبنان مكرم بو نصار في الاجتماعات كافة، مؤكداً أحقية المطالب، بيد أن أي إنفاق يجب أن تقابله إيرادات إضافية للحفاظ على الاستقرار النقدي ويبقى التضخم تحت السيطرة.
السيناريو الذي عُرض على مجلس الوزراء وقُدرت كلفته بـ800 مليون دولار سنوياً يتوزع على 3 بنود رئيسية: رفع رواتب القطاع العام 6 أضعاف، بما يشمل العسكريين في الخدمة، والمتقاعدين العسكريين، والمتقاعدين المدنيين، وموظفي الإدارات العامة، والأساتذة، والعاملين في المؤسسات العامة (باستثناء المؤسسات الاستثمارية)، بكلفة تقارب 620 مليون دولار سنوياً.
الزيادات التي أقرّت هي تنفيذ ما كان قد تم الاتفاق عليه سابقاً، والمتعلق بمنح الموظفين تعويضات عائلية على غرار ما هو معمول به في القطاع الخاص. وبالأرقام، فإن تعويض الزوجة كان قبل التعديل 60 ألف ليرة، وتعويض كل ولد 33 ألف ليرة (حتى 5 أولاد). أما بعد التعديل فأصبح تعويض الزوجة نحو 2.100.000 ليرة، تعويض كل ولد نحو 1.155.000 ليرة. أي إن الزيادة بلغت نحو 35 ضعفاً تقريباً. وتقدّر كلفتها السنوية بـ150 مليون دولار سنوياً.
وارتفعت المنح المدرسية للمتقاعدين العسكريين من 70 إلى 100 مليون دولار، ارتفع بدل المدرسة إلى 100% بدلاً من 50% للمتقاعدين العسكريين لعامي 2024 و2025، بكلفة تقدر بنحو 100 مليون دولار سنوياً.
ولتغطية الجزء الأكبر من الكلفة الاجمالية البالغة 800 مليون دولار، تتوقع الحكومة تحصيل نحو 600 مليون دولار، وفق ما أكد جابر لـ"النهار" بينها 450 مليون دولار من رسم البنزين، و150 مليون دولار سنوياً من رفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1%. مع الإشارة إلى أن نحو 30% من السلع المستوردة معفاة من هذه الضريبة، ولا سيما السلع الأساسية.
باحتساب 800 مليون دولار كلفة سنوية، و600 مليون دولار إيرادات مباشرة، تبقى فجوة تقدر بنحو 200 مليون دولار. وتراهن وزارة المال على سدّها عبر تحسين الجباية الضريبية، تعزيز إيرادات الجمارك، مكافحة التهرّب الضريبي، وتحصيل مستحقات المقالع والكسارات، واسترداد أموال الدعم.
إلى جانب كلفة الـ800 مليون دولار، تواجه الدولة التزامات إضافية، من بينها وفق ما يؤكد جابر، دعم مصرف لبنان ضمن مسار إعادة أموال المودعين، ومعالجة ملف سندات اليوروبوند، وسداد مستحقات النفط العراقي، إعادة هيكلة القطاع المصرفي. هذا يعني أن أي انزلاق إضافي في العجز قد يعيد الضغط على سعر الصرف، ويقوّض الاستقرار النقدي الذي تحقق نسبياً.
في الخلاصة، تحاول الحكومة الموازنة بين تصحيح اجتماعي ملحّ ومنع عودة العجز غير المموّل. نجاح الخطة لن يقاس بإقرارها فحسب، بل بقدرة الدولة على تحصيل الـ600 مليون دولار فعلياً، وتقليص فجوة الـ200 مليون من دون اللجوء إلى طباعة نقدية أو تحميل الاقتصاد كلفة تضخمية جديدة.