الاحداث- كتبت لوسي بارسخيان غي صحيفة نداء الوطن تقول:"يصلح قطاع الاتصالات في لبنان ليكون نموذجًا حيًا عن ملَكة اللبنانيين في التنقل السريع بين الأزمات، والتأقلم مع تداعياتها، إلى حد الاستعانة بالخبرة المكتسبة في تدوير الإمكانيات المتاحة للخروج بأقل الأضرار الممكنة.
فمنذ ثمانية أعوام تقريبًا يراوح القطاع في حالة من إدارة الأزمات، بحيث تذبذب واقعه منذ انتقال إدارته للدولة اللبنانية، بين انهيار اقتصادي خلّف آثارًا فورية على القدرات الاستثمارية، إلى جائحة "كورونا" التي اختبرت صحة القطاع وقدرته على تحمّل ضغوطات التواصل عن بعد، فإلى حرب استمرت أشهرًا في نهاية العام 2023، وتسببت بخسائر في البنية الأساسية بالإضافة إلى استنزاف القدرات البشرية، قبل أن تتجدد الحرب الأخيرة مع مفارقات أساسية.
قوي عود القطاع في ظل هذه الأزمات، ولكن فقط في القدرة على التأقلم السريع وتشغيل الشبكة في ظروف استثنائية. فكُتب عليه أن يدار دائمًا بمنطق الاحتواء لا التطوير، فيما العالم ماض في تطوير قدراته التكنولوجية.
إحصاء بالخسائر
في تقرير أعدّته وزارة الاتصالات على أثر الجولة الأولى من الحرب الأخيرة، قدّرت تداعيات الخسائر الناتجة عن الغارات الإسرائيلية على قطاع الاتصالات، بنحو 67 مليون دولار.
ولكن ما إن دخل لبنان مرحلة تطبيق اتفاقية وقف الأعمال العدائية، حتى استعادت شبكات الاتصال، وخصوصًا تلك التابعة لشركتي الخليوي، معظم عافيتها.
فأعادت "تاتش" وفقًا لبيانات لها، حوالى 90% من خدمة شبكتها في المناطق المتضررة في كل من الجنوب، البقاع، والضاحية الجنوبية بينما تحدّثت "ألفا" عن إنجاز أكبر عملية ترميم وإعادة تأهيل للمحطات التي تضررت جراء الحرب الإسرائيلية". ولفتت إلى إعادة معظم محطاتها المتضررة إلى الخدمة في منطقة الجنوب، وتسوية أوضاع المحطات المتضررة بالكامل عبر إقامة محطات موقتة، ومنها ما استحدث في رميش وحولا والخيام. بالإضافة إلى إعادة العمل بالمحطات الحدودية في مناطق واسعة من الشريط الفاصل بين جنوب لبنان والمستوطنات الإسرائيلية، بدءًا من جبل الشيخ شرقًا مرورًا بسهل مرجعيون، وصولًا إلى قطاع بنت جبيل الحدودي، فإلى القطاع الغربي قرب صور.
لم تكن المهمة سهلة في معظم هذه القرى الحدودية. فدخولها بقي طيلة العام الماضي محفوفًا بالخطر، وتطلب في بعض الأحيان مواكبة عسكرية، لم تشكل رادعًا يحمي فرق الصيانة التابعة للشركتين أحيانًا.
لم نتعلم شيئًا
كان التعويل بعد جولة الحرب الأولى، أن تشكل تداعياتها محاذير أساسية لمنع توريط لبنان مرة أخرى بحرب إسناد استنزفت بيئة "حزب الله" قبل سواها. لا بل سادت قناعة بأن "الخطيئة" الأولى لا يمكن أن تعاد. فانتقلت الشركتان فعلًا إلى mode أو وضعية التعافي، وعملتا على توظيف الاستثمارات في تطوير الشبكتين. وبحسب مصدر في وزارة الاتصالات فإن إجمالي المبالغ الاستثمارية التي أنفقتها الشركتان بلغ 55 مليون دولار. وهو المبلغ الأوّل الذي أنفق منذ العام 2019، لتحسين الشبكة وتطويرها، وتضمن أيضًا الإنفاق على إنهاء آثار الحرب عن شبكة الاتصالات.
ولكن يا خسارة ما رممنا وخططنا وأنفقنا. فالجولة الجديدة من التصعيد، التي بدأت بإطلاق "حزب الله" ستة صواريخ باتجاه شمال إسرائيل انتقامًا لمقتل خامنئي، أعادت بنية الاتصالات في مختلف مناطق الجنوب إلى دائرة الخطر مجددًا. وها هي الأنفاس تحبس، ترقبًا لما قد تتعرض له اليوم، أسوة بكل البنى التحتية والممتلكات المدنية، خصوصًا أن جولة الحرب الجديدة هذه المرة تبدو أشد وطأة من السابقة.
حرب... بكلفة على المواطنين جميعًا
دخل قطاع الاتصالات مع شركتي الخليويّ في حسابات الخسائر المرتقبة مرة أخرى، وفرض تفعيل الخطط التي وضعت سابقًا لإدارة الأزمة. وإذا كان الفارق التنفيذي هذه المرة، هو في ما جرى اكتسابه من خبرة أمّنتها جولة الحرب السابقة، فإن التحدي بقي في الكلفة الاقتصادية التي سيفرضها تجدد الحرب على القطاع كما على سائر اللبنانيين، خصوصًا في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات نتيجة للتوترات الجيوسياسية.
إلى إدارة الأزمة مجددًا
تسلّحت شركتا الخليوي بخبرة كوادرها واندفاعهم أولًا، لتسارعا في إطلاق المبادرات الاحتوائية. فأعادتا تفعيل خطة الطوارئ الموضوعة بالتنسيق مع وزارة الاتصالات، مع قولبتها على حجم التداعيات المستجدة، وسعي لتدارك بعض العثرات التي شابت التنفيذ بجولة الحرب السابقة، وخصوصًا في ما يتعلق بالضغط على الشبكة في مناطق الإيواء الآمنة.
ولعل أبرز ما قامت به الشركتان وفقًا لتأكيدات مصدريهما، هو تأمين مستلزمات الشبكة لفترة طويلة، وخصوصًا على صعيد تأمين مخزون المازوت للمولدات، وقطع الغيار.
فأكدت "تاتش" مثلًا أنها "أكثر استعدادًا لهذه الحرب لناحية توفير المعدات اللازمة لتنفيذ ترقية سعة المايكروويف وترقية الموجة الحاملة الرابعة، حيث لم تكن هذه المعدات متوفرة خلال الحرب السابقة".
بينما بدا واضحًا من خلال ما رسم في خطة التدخلات السريعة، أن الأولوية أعطيت للشبكة في المناطق الآمنة والمأهولة. وقد حددت هذه الأولوية بناء لمؤشر الأمان، وليس حجم الضرر.
بين الواقعية والأمر الواقع
لا شك أن المناطق الواقعة تحت خط النار المباشر تشكل تحديًا أكبر بالنسبة للشركتين. ولذلك تشرح مصادر "ألفا" أنها تعمل "للحد من تأثير المخاطر والتداعيات التي خلفتها الحرب في هذه المناطق، عبر حلول موقتة على الشبكة لتعزيز التغطية، وخصوصًا في المناطق التي تأثرت خدماتنا فيها بسبب الأوضاع". وتشرح مصادر "تاتش" من جهتها أنها اعتمدت استراتيجية أكثر فعالية لتزويد المحطات في المناطق الآمنة بالمازوت لضمان استقرار الشبكة. أما بالنسبة للمحطات في المناطق الخطرة، فهي تتبّع إجراءات الأمن المعتمدة مع الجيش اللبناني، بالتنسيق مع الموارد المحلية التي تعاملت معها خلال الحرب السابقة.
إلا أن الواقعية تحتم في ظل ظروف الحرب وصعوباتها، أن توضع حاجات من هجّروا من بيوتهم في الأولوية. ففي الحرب عمومًا يزداد استخدام الهاتف والإنترنت، وهو ما يخلق ضغطًا على الشبكة في استيعاب المستخدمين، ما يصعّب التواصل بينهم، وخصوصًا في مناطق الإيواء التي حتمت ضغطًا استثنائيًا على الشبكات.
فتؤكد "الفا" العمل على زيادة السعة في هذه المناطق. وتشرح "تاتش" تدابيرها الوقائية بشكل موسع، سواء على صعيد الشبكة والأنظمة المعلوماتية، كما على الصعيد التجاري، وخدمة الزبائن. فتلفت إلى "اعتماد ترخيص طارئ لمزود خدمة ثالث على الفور في المواقع المزدحمة ضمن المناطق الآمنة، إلى جانب العمل على تطبيق مزود خدمة رابع في هذه المواقع، بالإضافة إلى إجراء تحديثات لشبكات المايكروويف لتلبية السعة الإضافية في المواقع المزدحمة ضمن المناطق الآمنة. مع إدارة فرق العمل لضمان الصيانة الوقائية على مستويات الطاقة والاتصالات للمحطات للحفاظ على استقرار الشبكة".
أما على الصعيد التجاري، فلا قلق لأشهر على ملاءة السوق بالخطوط وبطاقات إعادة التعبئة وفقًا لمصادر "تاتش". ومن المتوقع أن تكر سبحة مبادرات "التضامن"، كتلك التي أطلقتها منذ أيام بدولار واحد وتشمل 3 غيغابايت إنترنت وساعة تخابر. بالإضافة إلى ما كشف عن عرض خاص للنازحين إلى مراكز الإيواء، يُبحث مع وزارتي الاتصالات والشؤون الاجتماعية.
التعليم عن بعد
الأهم هو ما أعلنته الشركتان في بيان مشترك لهما يوم الخميس حول إطلاق باقة بيانات مجانية مخصصة للتعليم من بُعد، تهدف إلى ضمان استمرار تعليم التلامذة والطلاب في كل المراحل، مع وصول مجاني إلى منصات التعليم عبر الشركتين. وستتضمن الباقة 20 جيغابايت مخصصة للتعلم الإلكتروني، وهي صالحة للاستخدام خلال أيام الأسبوع من الإثنين إلى الجمعة، من الساعة 7:30 صباحًا حتى 2:00 بعد الظهر، ما يتيح للكادر التعليمي والطلاب الوصول المجاني إلى منصتي Microsoft Teams و "مدرستي"، إضافة إلى أي وسائط أخرى تحددها وزارة التربية.
تشاركية للحفاظ على الخدمة
وهذه الجهود التشاركية ليست الأولى بين "ألفا" و "تاتش". بل كانتا أيضا قد أعلنتا عن تفعيل خدمة الـ Data National Roaming من ضمن الخطط الأساسية لتفعيل جودة الخدمة لإبقاء المشتركين القاطنين في المناطق الريفية والنائية على تواصل دائم، باستخدام الاتصالات والبيانات.
تُفعَّل الخدمة الجديدة تلقائيًا لمشتركي الشبكتين في حال انقطاع خدمة الإنترنت في إحدى الشبكتين وتوافرها في الأخرى، من دون أي تكلفة إضافية من خلال تشغيل ميزة تجوال البيانات على الجهاز الخليوي. وهي تشمل حاليًا 110 محطات، موزعة بين 34 محطة عائدة لـ "ألفا" و76 محطة عائدة لـ "تاتش"، في المناطق التي يتوافر فيها أساسًا التجوال المحلي الصوتي.
وفي مؤشر إلى أهمية خدمة التجوال المحلي للمشتركين تحدث بيان الشركتين عن استفادة نحو 93 ألف مشترك في تاتش من خدمة التجوال المحلي الصوتي على شبكة ألفا، ونحو 58 ألف مشترك في ألفا على شبكة تاتش.
في المحصلة، يبدو قطاع الاتصالات في لبنان أشبه بشبكة تمرست البقاء في زمن الطوارئ أكثر مما أُتيح لها التطور في زمن الاستقرار. فبين حرب وأخرى، وأزمة اقتصادية وأخرى، تبقى الخدمة مستمرة ولو بالحد الأدنى. ولكن المؤسف وسط كل هذه الصدمات، أن يتحول عامل توفر الاتصال الهاجس الأول للبناني، فيما العالم بمسار تحديث وتطور. فهذا المسار متعثر في لبنان، وكل ورطة حربٍ تُفرض عليه، تعيده في كل مرة إلى نقطة الصفر.