الاحداث- كتبت أنديرا مطر في "القبس":في كتابه مجتمع المخاطرة يتناول العالم الاجتماعي اولريش بيك كيفية مواجهة الأخطار العالمية غير المرتبطة بدولة، والتي لا يمكن السيطرة عليها أو إدارتها من خلال الحكومات الوطنية، مثل التغير المناخي، والإرهاب العالمي العابر للحدود، والأزمة المالية العالمية التي تشمل معظم الأسواق والأنشطة المالية والاقتصادية في العالم. وفي هذا الكتاب يتساءل المؤلف: ما الذي سيحل بسكان قارة بأكملها إذا ما أصابهم التلوث بمختلف درجاته بشكل يستحيل معه الشفاء؟ هل بالإمكان وضع بلاد بكاملها تحت الحجر الصحي؟ هل نصل إلى فوضى داخلية؟ او هل نحن مجبرون في نهاية الأمر على الاستمرار بالتصرف كما كنا نتصرف بعد تشرنوبيل؟ ويضيف: هل يدفع الخوف الناس الى اللاعقلانية والتطرف والتعصب؟
الواقع اللبناني اليوم يتجاذبه عنوانان لا ثالث لهما: أزمة مالية اقتصادية غير مسبوقة، والتصدي لانتشار فيروس كورونا الذي سجل حتى يوم امس 16 اصابة في حين يخضع اكثر من 50 شخصا للعزل الصحي بانتظار نتائج فحوصاتهم. يتعامل اللبنانيون مع الحالة الأولى بقلق يقارب الرعب بسبب تداعياته الخطيرة على مستقبلهم ومصيرهم، في حين يبدو هلعهم من فيروس كورونا محقاً أحيانا واستعراضيا في أحيان أخرى. غير ان «الحالتين» أثقلتا على المواطن اللبناني ودفعتاه مرغما إلى تغيير بعض سلوكياته الاجتماعية، في محاولة للتكيف مع الأوضاع الجديدة. واذا كانت ميزة اللبناني هي قدرته على التكيف- وهي ميزة اكتسبها بفعل مسار طويل من التغيرات والانقلابات- فإن لجوءه الى اسلوب السخرية والدعابة السوداوية، يسهم في التخفيف عنه في اشد الاوقات قتامة. قد يكون ما يدفعه الى هذا المنحى ويشجعه على المضي فيه قدما هو انطباع عام يتملكه بعجز الدولة وقصورها، باعتبارها المؤسسة الراعية والحامية له، على إيجاد مخارج وحلول للأزمات التي تطوقه، وآخرها تداعيات كورونا، فيما هو يشاهد السياسات الناجعة للدول الغربية والعربية في تصديها لهذه الأزمات وحماية مواطنيها.
تحرص مؤسسات الدولة وأجهزتها على تزويد مواطنيها بالنصائح والإرشادات. تطمئنه بصورة مستمرة بأنه «لا داعي للهلع»، لا على مستوى الأزمة المالية الخانقة ولا في الموضوع الصحي المستجد. وكلما أمعنت في طمأنته يزداد طرديا قلقه. سنتناول في موضوعنا تسليط الضوء على بعض التغييرات التي طرأت على سلوك اللبنانيين، أفرادا وجماعات بسبب كورونا.
«بكم كورونا اليوم؟» يسأل أحدهم زميله في العمل. ثم يعتذر للهفوة موضحاً أنه يقصد بسؤاله «كم هو سعر الدولار اليوم؟» لكن الأمور اختلطت في رأسه المتعب بعدما أصبح كورونا يستحوذ على نقاشاته مع عائلته واصدقائه. ولأن «الوقاية خير من قنطار علاج»، تتجنب منى أبي عاد الخروج من منزلها والاختلاط بالآخرين أو الوجود في الأماكن المكتظّة «أمارس عزلا صحيا بقرار ذاتي»، وتضيف أنها في مطلق الأحوال تلازم منزلها لأن الخروج من المنزل يعني انفاقا للمال «الذي أتسوله من المصرف مرتين في الشهر». بعد تسجيل عدد من الإصابات في لبنان، وحلول الموضوع الصحي خبرا اول في نشرات الاخبار، وتكاثر حملات التوعية التلفزيونية، باتت عائلات كثيرة بانتظار النشرة اليومية الصادرة عن مستشفى رفيق الحريري الجامعي، المكان الوحيد الذي يحتضن المصابين بعد رفض المستشفيات الخاصة لهم، وهي نشرة يومية تطلعهم على آخر المستجدات من حيث عدد الداخلين الى الحجر الصحي وعدد الإصابات المسجلة.
======