كتبت صحيفة "الجمهورية": أنهى الموفد الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان جولته اللبنانية الثانية على أمل التزام الجميع دعوته الى لقاء تشاوري في ايلول المقبل للتوافق على إنهاء الفراغ الرئاسي المستمر منذ نحو تسعة أشهر. وكذلك التوافق على القضايا والمشاريع ذات الأولوية التي ينبغي على الرئيس المقبل أن يتولاها. فيما فشلت أمس محاولة تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان نتيجة عدم توافر النصاب المطلوب لجلسة مجلس الوزراء التي خُصصت لهذه الغاية، ما فتحَ الباب لشغورٍ في هذا الموقع عند انتهاء ولاية الحاكم رياض سلامة الاثنين المقبل، بحيث سيتولى النائب الاول للحاكم وسيم منصوري مهماته قانوناً.
لدى مغادرة لودريان لبنان من دون الادلاء بأي تصريح عن نتائج مهمته، أعلنت الخارجية الفرنسية في بيان نشرته السفارة الفرنسية في بيروت عبر صفحتها على «تويتر»، جاء فيه: «انّ الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية الفرنسية السيد جان إيف لودريان زار لبنان مرة ثانية في الفترة ما بين 25 و27 تموز. وشدد لجميع محاوريه، تماما كما فعل في زيارته الأولى، على الضرورة الملحة للخروج من الطريق المسدود حاليا على الصعيدين السياسي والمؤسسي، الذي يبقى على هذا النحو بسبب إطالة الفراغ الرئاسي الذي يعرّض لبنان ودولته واستقراره لمخاطر جمة».
واضاف البيان: «اقترح في هذا السياق على جميع الجهات الفاعلة التي تشارك في عملية انتخاب رئيس الجمهورية دعوتهم من أجل عقد لقاء خلال أيلول في لبنان، يرمي إلى بلورة توافق بشأن التحديات التي يجب على رئيس الجمهورية المستقبلي مواجهتها والمشاريع ذات الأولوية التي يجب عليه ان يقوم بها، وبالنتيجة المواصفات الضرورية من أجل تحقيق ذلك. ويصبو هذا اللقاء إلى توفير مناخ من الثقة وإتاحة اجتماع البرلمان في أعقاب ذلك وضمن ظروف مواتية لإجراء انتخابات مفتوحة تتيح الخروج من هذه الأزمة سريعاً».
وتابع البيان: «تحظى خطوة التيسير والمساعي الحميدة هذه التي بادرت إليها فرنسا، بدعم كامل من شركاء لبنان وأصدقائه الذين اجتمعوا في الدوحة في 17 تموز. ولحظ المبعوث الشخصي لرئيس الجمهورية الفرنسية انفتاح محاوريه اللبنانيين انفتاحا بنّاء إزاء هذا النهج العملي والواقعي الذي يركّز على انتخاب رئيس للجمهورية، وعلى العمل الذي يجب أن يضطلع به من أجل المضي في إنعاش لبنان وإرساء الاستقرار فيه وتمكينه من استعادة مكانته في بيئته الإقليمية وكسب ثقة المجتمع الدولي مجدداً».
قبول مبدئي
أكدت مصادر واسعة الاطلاع لـ«الجمهورية» ان هناك قبولا مبدئيا من معظم الأطراف بالمشاركة في طاولة التشاور التي دعا اليها الموفد الفرنسي جان إيف لودريان في أيلول المقبل.
لكن المصادر أبدت خشيتها من ان يؤدي هذا الطرح الى مزيد من تقطيع او تمرير الوقت الضائع بعد تخدير اللبنانيين بانتظارات جديدة.
بري يكرر: كوّة فُتحت
وقبَيل مغادرته لبنان، حرصَ لودريان على اللقاء مجددا مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في حضور السفيرة الفرنسية آن غريو وجرى عرض للاوضاع العامة لا سيما منها ملف رئاسة الجمهورية. وفيما لم يدل لودريان بأي تصريح، كرر بري التأكيد أن «كوّة قد فتحت في الملف الرئاسي».
وكانت لقاءات لودريان قد شمات امس رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد ومسؤول العلاقات الدولية عمار الموسوي في مقر الكتلة في حارة حريك. ثم التقى رئيس كتلة نوّاب الأرمن النائب هاغوب بقرادونيان. فالنائب عماد الحوت باسم «اللقاء النيابي المستقل».
وتردد ان لودريان قال امام بعض مَن التقاهم انّ «المشاورات التي ستحصل في ايلول حول مواصفات الرئيس ومهماته، هي الفرصة الأخيرة من أجل انتخاب رئيس للجمهورية، واذا لم تنجح جلسة المشاورات فستسحب الدول الخمس أيديها من الملف اللبناني، ومَن سيعرقل الانتخابات سيتم فرض عقوبات عليه».
الموحدة اجمعت على ان ما نقله لودريان طوى المرحلة السابقة ولا سيما المقايضة التي طرحها وجمعت بين المرشح لرئاسة الجمهورية سليمان فرنجية والسيفر القاضي نواف سلام ليكون رئيس حكومة العهد الاولى. وقد ثبت لمعظم المشاركين في اللقاء انهم فهموا هذه الرسالة الموحدة، والتي يفترض أنه نقلها الى جميع من التقاهم طوال الأيام الثلاثة الماضية.
وبعدما عبّر المجتمعون عن تقديرهم للاهتمام الذي أبدَته دول لقاء الدوحة الخماسي وترجم البيان الختامي ما توصّل اليه، خصوصاً لجهة النية بانخراطهم جميعاً بطريقة أكثر جدية واهتمام بأدق التفاصيل اللبنانية، توصّلا الى التزام النواب جميعهم بضرورة عقد جلسة انتخابية والمضي في الدورات المتتالية الى حين انتخاب رئيس. وهو تطور مهم لا يقع على عاتق المعارضة الالتزام به إنما هو على مسؤولية «الثنائي الشيعي» تحديداً قبل غيره من حلفائه من النواب المستقلين والكتل الصغيرة التي تدور في فلكه، وان قرروا الالتزام بالآليات الدستورية كاملة لا بد من التوصل الى انتخاب رئيس يهنّئه الجميع ممّن انتخبوه او من خارج مؤيديه.
ولمّا لم يصل الاجتماع الى خلاصات نهائية، علمت «الجمهورية» ان الاتصالات في الساعات المقبلة ستفضي الى تسمية المندوبين الذي يمثلون مختلف الكتل لتشكيل لجنة مشتركة تضع تصورا لموقف نهائي يمكن التوصل إليه قبل نهاية الأسبوع الجاري، «انطلاقاً من حرصهم على التعامل مع الموضوع بجدية ودقة شديدتين، لأن البلد لم يعد يمتلك ترف الوقت والمماطلة والتعطيل، كما وانطلاقا من حرصهم على رفض الهيمنة والفرض ورغبتهم بانتخاب رئيس للجمهورية بعيدا عن منطق الفرض والإملاء في أسرع وقت ممكن لإطلاق مسار الانقاذ الذي ينتظره اللبنانيون».
اطلعت على الاجواء ان ميقاتي كان يدرك ان لا امكانية لتعيين حاكم جديد في الظروف الراهنة ولذلك عمل بصمت وركّز منذ اللحظة الاولى على نواب الحاكم لجهة إقناعهم بعدم الاستقالة التي لوّحوا بها في بيانهم الشهير، نظراً لما تنطوي عليه هذه الاستقالة من مخاطر على الوضعين النقدي والمالي وعلى البلد عموما في ظل الانهيار القائم، وقد نجح في النهاية بمعالجة الموقف عبر التزام قانون النقد والتسليف الذي يحكم عمل مصرف لبنان وفق التسلسل الدقيق.
وقال ميقاتي خلال اللقاء أن «المرحلة الراهنة تتطلب تعاون الجميع للحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي النسبي وعدم تعريضه للاهتزاز، وان هناك مسؤولية وطنية ملقاة على عاتقنا جميعًا، في حال لم يُصَر الى تعيين حاكم جديد للمصرف المركزي».
وشدد على ان «المحاذير التي عبّر عنها نواب الحاكم في البيان الذي أصدرو قبل أيام مشروعة، وان الخطة الموضوعة من قبلهم تنسجم مع الخطة الحكومية، والحكومة ستتعاون مع المجلس النيابي لاقرار التشريعات الضرورية لحسن سير عمل المؤسسات في المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان، وفق الاصول المنصوص عنها في قانون النقد والتسليف».
أما نواب الحاكم فشددوا على أنهم «يقومون بواجباتهم الوطنية والوظيفية ضمن الاصول القانونية»، مؤكدين ان «البيان أصدروه لِحَضّ الجميع على تأمين المتطلبات القانونية والتنفيذية للحفاظ على الحد الادنى من الاستقرار الذي لا يقتضي المَسّ به اليوم»، مثمنين «تجاوب القوى السياسية لتأمين المتطلبات حكوميا ونيابيا وقانونيا».
وكان ميقاتي قد قال، إثر عدم انعقاد جلسة مجلس الوزراء لتعيين الحاكم لمصرف لبنان: «كانت أمامنا اليوم فرصة لمعالجة موقّتة لملف مرتبط بالوضعَين المالي والنّقدي، وآسف أنّ الحسابات السّياسيّة للأفرقاء المعنيّين داخل الحكومة، لها الأولويّة على ما عداها؛ فليتحمّل كلّ فريق المسؤوليّة عن قراره». وأعلن «إنّني سأستمرّ في القيام بواجبي الدّستوري والوطني، والعمل الجادّ لسير عمل المؤسّسات العامّة وخاصّةً مصرف لبنان، من دون كلل».
وحَض نواب حاكم مصرف لبنان على «عدم الاستقالة»، موضحًا أنّ «في حال الشّغور، يتسلم النّائب الأوّل للحاكم، أمّا في حال تقاعسه فيجب أن يتسلم النّائب الثّاني». وأعلن «انّني لا أخشى حصول قفزات كبيرة في سعر الصّرف، ويُمكن استيعاب الكتلة النّقديّة بسرعة».
في هذه الاثناء أعلنت رئاسة مجلس الوزراء انّ جلسة للمجلس ستعقد الرابعة بعد ظهر الاثنين المقبل لمتابعة البحث في مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2023.