الاحداث- كتبت صحيفة الديار تقول:"يجهد لبنان المحاصر «بالنيران» الملتهبة على حدوده الشرقية والجنوبية، وفي ظل الاعتداءات «الاسرائيلية» المتواصلة، وان كانت بوتيرة منخفضة، لابراز اهمية النجاح في المرحلة الاولى من الانتخابات البلدية والاختيارية في جبل لبنان. واذا كانت الارقام الرسمية تشير الى ان نسبة الاقتراع بلغت 45.16 في المئة، حيث بلغ عدد المقترعين 376.725 ، فان المبالغة في اسقاط النتائج السياسية المحققة على الانتخابات النيابية العام المقبل، لا تبدو في مكانها، ولا تمت الى الواقع بصلة. فالنظام النسبي المعتمد في الانتخابات البرلمانية يغير قواعد احتساب الرابحين والخاسرين، كما ان طبيعة التحالفات في الاستحقاق البلدي كانت مختلفة، ولم تكن وفق معيار واحد في كل البلدات المدن .
لكن هذا لا يلغي اهمية قراءة بعض المؤشرات العامة، ومنها ان «الكباش» الاقسى سيكون على الساحة المسيحية، بعد نجاح «التيار الوطني الحر» في اثبات حضوره مجددا بعد فترة من التشكيك في تماسك شعبيته، بعد التصدعات الداخلية وخروجه من السلطة. في المقابل، لم تنجح «القوات اللبنانية» الحاضرة شعبيا، في تظهير الادعاءات السابقة باكتساحها الشارع المسيحي.
وفيما ثبّت «الثنائي الشيعي» حضوره الطاغي في البيئة الشيعية، حيث غابت اي منافسة جدية للوائحه، كان واضحا تشتت الصوت السني في غياب «تيار المستقبل» عن المشهد. اما درزيا، فكان تحالف الحزب «الاشتراكي» مع الحزب «الديموقراطي» حاسما في القرى والبلدات الدرزية، وهو يؤسس على ما يبدو بحسب مصادر الطرفين، الى مرحلة تعاون مستقبلية على الصعيد النيابي، لاستعادة مقعدين نيابيين من «التغييريين».
وفي المحصلة اثبت الاستحقاق الانتخابي في جبل لبنان، ان الاحزاب السياسية لا تزال الاكثر فعالية في التأثير، على الرغم من الطابع العائلي والانمائي للانتخابات البلدية والاختيارية.
المنطقة «تغلي»
هذه «النشوة» في النجاح بتمرير المرحلة الاولى من الاستحقاق، لا تلغي بواعث القلق الجدية من الاحداث الملتهبة في المنطقة، في ظل اندفاع حكومة اليمين في كيان العدو الى التصعيد على مختلف الجبهات. وفي هذا السياق، اتهم وزير الخارجية الايرانية عباس عراقجي بالسعي الى جر الولايات المتحدة الى كارثة في الشرق الاوسط، محذرا من اي محاولة لشن حرب على ايران. وكتب عراقجي على منصة «اكس» أن رئيس الوزراء «الاسرائيلي» بنيامين نتانياهو «يتدخل في شكل مباشر لدى الحكومة الأميركية، لجرها الى كارثة أخرى في منطقتنا».
المخاطر «الاسرائيلية»
واذا كانت الغارات العنيفة مساء امس على اليمن، مؤشرا واضحا على النيات «الاسرائيلية» المبيتة لاشعال حريق كبير قد لا يقف عند حدود معلومة، اضافة الى موافقة الحكومة «الاسرائيلية» على توسيع العمليات في غزة بهدف احتلال القطاع، فان ما يبيت لسوريا يرخي بظلال «سوداوية» على الواقع اللبناني. وبحسب مصادر سياسية بارزة، ثمة تحسّب داخلي لتداعيات المشهد السوري المفتوح على كل الاحتمالات، في ظل الصراع المفتوح بين تركيا و «اسرائيل» على النفوذ، ومحاولة الدول العربية ايجاد «موطىء قدم» هناك. فيما يسود الشك والريبة ازاء موقف واشنطن التي تمنح نتانياهو «ضوءا اخضر» للتصرف في سوريا ولبنان وغزة، وتضع له «خطوطا حمراء» في ايران، حيث تسير المفاوضات على «قدم وساق».
وهنا تبرز مخاوف جدية، ليس من محاولات «اسرائيل» تخريب المسار التفاوضي، وانما الاندفاع نحو تحقيق استراتيجة التوسع الجغرافي انطلاقا من سوريا وغزة، وتكريس تقسيم الاراضي السورية في ظل علاقاتها الوطيدة مع الاكراد، ومحاولة استغلال اخطاء الحكم الجديد في دمشق تجاه الدروز والعلويين، لفرض امر واقع بقوة الحديد والنار.
الضمانات الديبلوماسية؟
وفي ظل هذه التطورات الغاية في الخطورة، يجهد لبنان ديبلوماسيا لتأمين «مظلة» حماية دولية واقليمية لتخفيف حدة التداعيات، لكن لا شيء مضمون في ظل انعدام الثقة بالوعود الاميركية، حيث تتماهى ادارة ترامب مع الاستراتيجية «الاسرائيلية».
ووفق مصدر مطلع، لا ضمانة حتى الآن بان تثمر الاتصالات في تأمين مناخ شبه مستقر للوضع الداخلي، خصوصا ان الاميركيين لا يعدون بشيء ويعتمدون مقولة «سنجري الاتصالات اللازمة». وقد يكون الاختبار الاولي الاكثر جدية للضمانات الاميركية مرحلة الانتخابات البلدية في 24 ايار في الجنوب، حيث طالب لبنان بمنع «اسرائيل» من تخريب هذا الاستحقاق.
عون يشيد بالاستحقاق
انتخابيا، مرت المرحلة الاولى بسلاسة، وشكلت انجازاً مهما في سجل العهد والحكومة، وقد هنأ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الفائزين في الانتخابات البلدية والاختيارية، وشدد أمام زواره الذين التقاهم في قصر بعبدا، على ان «هذه الانتخابات تؤكد ان لبنان يخطو على مسار النهوض والتعافي، رغم كل الازمات والتحديات التي مر بها». كما نوه بالجهود التي بذلتها وزارة الداخلية والقوى الامنية في سبيل اتمام هذا الاستحقاق، والمحافظة على حسن سير العملية الانتخابية.
ارقام الداخلية
من جهته، عقد وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار مؤتمرا صحافيا تناول فيه الانتخابات البلدية والاختيارية في محافظة جبل لبنان، واكد وضع برنامج على الكومبيوتر للتدقيق في النتائج، قبل إعلانها بشكل نهائي عبر موقع وزارة الداخلية». وأشار إلى أنّ «وزارة الداخلية ستقوم بعملية تدقيق شاملة لكلّ الأسبوع الانتخابي، لتدارك الثُغر والمشاكل اللوجستيّة التي حصلت، وتلافيها في الأيّام الانتخابية المقبلة. وقد تسلم وزير الداخلية نتائج الانتخابات من المحافظ محمد مكاوي.
وقد فازت 70 بلدية من أصل 330 بلدة في جبل لبنان بالتزكية، وتوزّعت النسب بحسب الأقضية بين 59% لكسروان، 41% لعاليه، 56% لجبيل، 38% لبعبدا، 37% للمتن الشمالي، و44% لقضاء الشوف.
الساحة المسيحية
سياسيا، لم تتمكن «القوات اللبنانية» من اثبات تفوقها مسيحيا، وأظهر «التيار الوطني الحر» قدرة على لملمة وضعه الداخلي، واستعادة شعبيته بعد ازماته العميقة. والمفارقة ان التحالف السياسي بين التيار والوزير السابق الياس المر في المتن الشمالي، حقق انتصارا واضحا سيترجم فوزاً برئاسة اتحاد البلديات على حزب «الكتائب»، الذي كان يطمح إلى إحلال نيكول أمين الجميل مكان ميرنا ميشال المر. ويمكن القول ان الاستحقاق البلدي اخرج «التيار» من محاولة عزله، ونجح في اثبات حضوره في البلدات المسيحية.