Search Icon

لبنان والموارنة من التيه إلى استعادة الروح والوطن

منذ 3 ساعات

سياسة

لبنان والموارنة من التيه إلى استعادة الروح والوطن

الاحداث- كتب أنطوان العويط

شكّل لبنان، عبر تاريخه الطويل، ملجأً لأقليّاتٍ متنوّعةٍ هربت من الاضطهاد، فوجدت في أرضه مأوى، وفي كيانه فسحة أمانٍ وحرّيّة. الميثاق الأوّل والأساس الذي جمع هؤلاء، كان العيش على المبادئ والقيم التي طبعت جبل لبنان التاريخيّ وإنسانه، مبادئ كُتبت في الوجدان قبل أن تُدوَّن في الدساتير، وانتقلت من الجبل إلى المدن والمناطق الساحليّة، بوصفها نمط حياة ورسالة إنسانيّة، سبقت قيام الدولة، وتقدّمت على السياسة بمعناها الحديث.
غير أنّ الجماعات اللبنانيّة، وقد تأرجحت في تاريخها بين التعايش والتناحر، لم تُفلح، حتى اليوم، في الارتقاء إلى مرتبة المواطنة الجامعة، الحاضنة للتعدّديّة، بعدما أخفقت في تقديس الأرض التي آوتها ومنحتها الأمان، وفرّطت بالقيم المشتركة التي تُشكّل جوهر العقد الاجتماعيّ في وطنٍ نهائيّ، يُفترض أن يكون موضع ولاءٍ ومسؤوليّة لا ساحة نزاعٍ وتنازع.
تعاقبت على رقاب هذه الجماعات عصيّ الحكّام كما سياط المستعمرين والمحتلّين، وتقاطعت فوقها مصالح القوى الإقليميّة والدوليّة، فاستُنزِفت طاقاتها، وأُنهِك نسيجها الاجتماعيّ، ونجحت الفتن في شقّ صفوفها وتعميق انقساماتها. هكذا يجد اللبنانيّون أنفسهم اليوم أسرى تاريخٍ مثقلٍ بالتحدّيات والخيبات، عاجزين عن الخروج من أزمتهم المدمّرة وعن تسيير أبسط شؤونهم الحياتيّة، ومقصّرين في إدارة شؤونهم الوطنيّة العامّة، كما في تحييد ذواتهم الخاصّة، ووطنهم بصورة مباشرة، ضمن التنوّع والتعدّد، عن صراعات الإقليم المتفجّرة، وعن الشروع الجادّ في إعادة بناء دولةٍ عادلةٍ، سيّدة، تتّسع لجميع أبنائها.
الحقيقة المرّة أنّنا، كمواطنين، انزلقنا إلى دركٍ عميق من التردّي والانحدار، بفعل سقوطٍ روحيّ وقيميّ وأخلاقيّ ووجدانيّ ووطنيّ مريع، غذّته أيدي الوصايات والتبعيّات، وكرّسته لحظات الانتهاز والتلوّن وتبدّل الولاءات، حتّى تآكل المعنى، وضاع الميزان، واختلّت البوصلة. ومن هنا، بات اللبنانيّون يتخبّطون في عتمةٍ دامسة، ويتدحرجون في منزلقاتٍ خطيرة، تهدّد ما تبقّى من كيانهم المشترك ورسالتهم الإنسانيّة الجامعة.
إنّ الضعف البشريّ، حين لا يُضبط بوازعٍ أخلاقيّ وروحيّ، يمارس فعله الهدّام في النفوس. فكلّما بدا أنّ بعضهم يقترب من بعض دون تعميم، دبّت الفرقة في مجموعهم، ليعودوا فيتشرذمون جماعاتٍ وشيعًا. وها هي شياطين الثروات والكراسي وأوهام الأمجاد تُغويهم من جديد، ومعها الولاءات للخارج، فتغلق في وجوههم أبواب الخلاص، وتُبعدهم أكثر فأكثر عن المعنى الوطنيّ العميق لفكرة لبنان بوصفه رسالةً ومسؤوليّةً قبل أن يكون كيانًا وحدودًا.
الأشدّ إيلامًا أنّ سطوة الدنيويّ ومكانته في نفوس معظم الجماعات اللبنانيّة لم تتراجع، لا بعد انتهاء الوصاية السوريّة، ولا حتّى مع اهتزاز المحور الإيرانيّ وتداعياته. بل تسلّل الغرور إلى السياسة، ورافقه الإنكار ودفن الرؤوس في الرمال، فيما أغرى الطمع بعض أهلها، من دون تعميم أيضًا، بالانقلاب على المواثيق والعهود التاريخيّة، أو بمحاولة امتطائها والالتفاف عليها وتشويه معانيها، فانهار البناء من الداخل قبل أن يُستهدف من الخارج. وعند هذا الحدّ، يطفو السؤال الوجوديّ الكبير: ماذا تبقّى من الجمهوريّة؟ وماذا تبقّى من الوطن؟
أطرح هذا السؤال في مناسبة احتفال الموارنة بعيد شفيعهم مارون، ومعهم أقرانهم من اللبنانيّين، استلهامًا لخطى الأسلاف الذين ثبتوا في وجه التحدّيات، وعرفوا كيف يخرجون منها أكثر رسوخًا في إيمانهم، وأشدّاء في الدفاع عن معتقداتهم وخصوصيّاتهم، وواثقين، رغم المحن، بمستقبلهم ودورهم في هذا الوطن.
وأطرح هذا السؤال، لأنّ الانتقال من حالة التفكّك والتقاتل، هو بمثابة انتقال من الموت إلى الحياة، وهذه مسؤوليّة تاريخيّة ملقاة على عاتق الجماعات اللبنانيّة، وعلى عاتق الموارنة خصوصًا. فاللبنانيّون يقفون اليوم في صميم الألم اللبنانيّ، ومعهم الموارنة، بوصفهم إضافةً، في صميم الألم المسيحيّ الكبير، ألم الجلجلة بما يحمله من معنى المعاناة والرجاء معًا. فهم، ربّما، يواجهون التحدّي الأشدّ خطورة في تاريخهم كشعب، وفي تاريخ الجماعات المسيحيّة المشرقيّة على السواء؛ إنّه تحدّي الوجود ذاته. غير أنّ اليقين الراسخ هو أنّ الأمور لن تستقيم، ولا الجراح ستلتئم، إلّا حين تُستعاد المبادرة، عبر إعادة السياسة إلى معناها الأسمى كفنٍّ شريفٍ في خدمة الإنسان، وصون الكرامة، وتحقيق الخير العام.
لن يكون ثمّة كلامٌ أبلغ في الدلالة على سبل الخروج من الأزمة الراهنة من العودة الصادقة إلى المصلحة الوطنيّة العليا، على أسس الميثاق والدستور. فلبنان، إمّا أن تُنجزه الجماعات اللبنانيّة معًا، وإمّا لا يكون، ومن دون جلدٍ للذات ولا مكابرةٍ على الخطأ، بل مصالحةً شجاعة مع الحقيقة، تعيد ترتيب الضمير قبل إعادة بناء الدور.
بالنسبة إلى الموارنة، لا شيء يَكبح تمدّد أيّ تيهٍ دنيويّ وفِعله المدمّر في النفوس، إلّا استعادةُ البعد الروحيّ العميق الذي شكّل، يومًا، منبع الكيان ومعناه: روح قنّوبين.
ولغيرهم من الجماعات اللبنانيّة، حكمًا وبالتأكيد، واجب تصحيح البوصلة وإحداث انعطافة جذريّة في المفاهيم والأساليب: من منطق الغلبة إلى ثقافة الشراكة الوطنيّة الجامعة، ومن ثقافة العصبيّات إلى أخلاقيّات المواطنة، ومن منطق القوّة إلى منطق الشرعيّة.
إلّا أنّ على الموارنة، من جانبهم، واستنادًا إلى خطّهم ومسؤوليّتهم التاريخيّة والتأسيسيّة تجاه الكيان اللبنانيّ، وقبل سائر أقرانهم في المواطنيّة، أن يُعلنوا العودة إلى الينابيع الأولى، إلى قنّوبين، لا بوصفه مقامًا مقدّسًا، بل بوصفه عهدَ تنقيةٍ وتوبة، يتحرّرون به من أخطائهم وخطاياهم، في الدين والدنيا معًا.
عليهم أن يستعيدوا خطى مارون، فيهتدوا بها ويقتفوا أثر تلامذته ورسله وشهوده وشهدائه. وعليهم بقدّيسهم مارون، لا لينكفئوا إلى الماضي، بل ليكونوا له شهودًا ورسلاً في لبنان، وفي الشرق، وفي العالم، حاملين رسالة الإيمان والحرّيّة والمسؤوليّة الإنسانيّة إلى زمنٍ ووطنٍ أحوج ما يكونان إليها.
دورهم أن يثوروا، أوّلًا، على ذواتهم، ثمّ على كراسيهم ومؤسّساتهم، وعلى واقعهم الدينيّ والسياسيّ والمجتمعيّ، ثورةَ مراجعةٍ وتطهيرٍ وتجديد. وأن يُعلنوا العودة إلى الينابيع الأولى، إلى وادي القدّيسين، لا لاجترار الرماد، بل لاستخراج المعنى، ليستعيدوا كرامة قدّيسهم مارون، الذي تُرك وحيدًا في عتمة العالم البرّانيّ، ويستعيدوا، معه، لبنان الرسالة والإنسان.