الاحداث - كتب جورج شاهين في صحيفة الجمهورية يقول:"في انتظار التثبت من أنّ ما قام به مساعد طيار "فلاي دبي" هو عمل من صنع "ذئب منفرد"، أو أنّ هناك من حرّضه، فقد دخلت ترددات عمليته في بورصة الأزمات السياسية في المنطقة والعالم، من الخليج العربي إلى قلب الإدارة الاميركية مروراً بالمؤسسات الإسرائيلية، قبل ثلاثة أسابيع على الانتخابات التشريعية. وهو ما جعلها مادة سجال حامية بين حكومة بنيامين نتنياهو والمعارضة، التي تستعد لإبعاده. فيما فرض قراءة متشعبة له. وهذه بعض النماذج.
لن يتوقف الحديث في وقت قريب عن تداعيات ما قام به مساعد قائد طائرة "فلايت دبي" همام الحمامي بقائد الطائرة الهندي سميت ماتشّار. ذلك أنّ العملية ورغم اعتبارها الحادثة الأولى من نوعها منذ أحداث 11 ايلول 2001 في نيويورك، فإنّ توقيتها وشكلها يحتملان كثيراً من الجدل في أكثر من دولة، ولا سيما تلك المعنية بالحادث مباشرة، كما حال الدول الاربع التي كانت على تماس مع الحادث في لحظاته الأولى، الإمارات العربية المتحدة، إسرائيل بعد الهند والمملكة العربية السعودية، التي شكّلت الهدف البديل والطارئ للطائرة المتضررة، بعد استحالة الوصول بها إلى مطار بن غوريون.
ولهذه المعادلة تفسير منطقي وبسيط، يمكن استخلاصه من الوهلة الأولى لما حصل. فما رافق الحادث دفع بالمحققين إلى التوسع في التحقيقات الخاصة بالمتهم، من بوابة مجموعة من الروايات التي تمّ التداول بها فور وقوع الحادث، قبل أن تستقر على هوية الطيار على انّه هندي وليس روسياً، وانّ مساعده عماني وليس أوكرانياً كما قالت الرواية الأولى. وكلها معلومات بدأت تتأرجح عند البحث عن تاريخ "بطل العملية"، الذي قيل انّه أمضى فترة من حياته بين العراق وسوريا، سعياً وراء العلوم الدينية التي دفعته إلى ارتكاب ما ارتكبه في الطائرة.
وفي الوقت الذي توجّهت التحقيقات نحو الأراضي السورية والعراقية، بعد استبعاد أن يكون قد أقام في لبنان لفترة، بحثاً عن هوية الجهات الدينية او الجهادية التي سعى خلفها لـ "التربية الدينية"، للتثبت إن كانت من بين "المدارس الجهادية" او "الحوزات العلمية"، تكشف قبل يومين، أنّه قصد المغرب للعمل كمساعد طيار في شركة الطيران المغربية، قبل أن تنفي الشركة أول أمس، وتوضح أنّه لم يعمل لديها ابداً. ولكنه خضع لتدريب نظري لمدة ثلاثة أشهر عام 2025، من ضمن الإجراءات المعتمدة قبل التوظيف، والتي انتهت برفض طلبه للانضمام إليها، سواء عبر التعاقد او العمل من ضمن طواقمها.
وفي الوقت الذي لم توضح الشركة المغربية الأسباب التي دفعت إلى رفض انضمامه اليها، ظهر أنّه أكمل دورة تدريب من بعد عام 2025 في إدارة الطيران في مؤسسة "باكينج هامشير نيو" البريطانية، وهي دورة كانت مفتوحة أمام أي شخص يمكن أن يشارك فيها بوسائط التواصل الاجتماعي، ولم تتطور علاقته معها أبعد من ذلك، او إلى أي بحث بالتعاقد أو العمل لديها. وفيما كانت وسائل التواصل المتعددة التي تفننت بالتعاطي مع الحادث بواسطة أفلام قصيرة أُنشئت باستخدام "الذكاء الاصطناعي"، برزت إلى سطح التحقيقات، منشورات له تؤيّد العنف ضدّ النساء، وتدعو إلى تطبيق عقوبات دينية قاسية. كما تؤيّد الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا، من دون ذكر أي معلومة تتصل بما يجري في فلسطين او لبنان او سوريا بعد الحروب التي شهدتها. بعدما كانت الشركة الوطنية في سلطنة عمان قد كشفت قبل ذلك بأنّها رفضت التعاقد معه بسبب ميوله غير الطبيعية وغير المستقرة.
وإلى هذه الروايات، ومعها التي يمكن ان تظهر من مثيلاتها، دخلت تداعيات البحث عن تاريخ الحمامي صلب المعركة الانتخابية الإسرائيلية، بعدما تبين انّه دخل أراضي الدولة منذ فترة غير بعيدة، أكثر من مرّة خارج نطاق مطار بن غوريون، من دون الإشارة إلى هذه المناطق التي قصدها ومدى حساسيتها. وهو ما أدّى إلى استثمار الرواية من جانب المعارضة الإسرائيلية التي يقودها رئيس الأركان السابق غازي ايزنكوت في مواجهة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، محملينه مسؤولية خرق الأمن القومي، لمجرد السماح بتجاوزه القوانين التي تمنع مواطناً من دولة لا تعترف بالدولة اليهودية من دخول أراضيها، بطريقة بُني عليها كثير من الروايات التي دفعت إلى تخصيص جلسة للحكومة المصغّرة للبحث في ما آلت إليه التحقيقات الجارية في الرياض، حيث لا تزال الطائرة المستهدفة جاثمة من دون إعطاء الإذن بأي مشاركة إسرائيلية في التحقيق، وفي الإمارات العربية المتحدة التي وافقت على ما يبدو على مشاركة اسرائيلية فيها إلى جانب أكثر من فريق صديق للدولة.
على هذه الخلفيات، واصلت المراجع الديبلوماسية اهتمامها بالتفاصيل المملة المتصلة بالعملية، في وقت رأت فيها صعوبة بالغة للوصول إلى خيط رفيع يُشرك إيران في العملية، بعدما توسعت في اتجاهات أخرى، على وقع إصرار واضح بأنّه "ذئب منفرد" قام بالعملية على خلفية ما يعيشه من تطرّف ديني، لم يتمكن أحد ممن رافقه رصده من قبل. وهو ما أعطى مجالاً للتوسع في المراجعات التي تعدّدت وسائطها وأهدافها، في ظل اعتراف دقيق من مراجع استخبارية سبق لها أن حذّرت من عمليات منفردة قد يقوم بها متطرفون، من دون أن يكون لأي جهة دولية ورسمية أي علاقة بها.
وإلى أن تتضح الصورة بطريقة أفضل، لا تختلف المراجع الديبلوماسية في إصرارها على التروي في الحكم على ما يمكن أن تنتهي اليه التحقيقات، بعدما دخلت قضيته بورصات الملفات السياسية والأمنية المخابراتية، وسط شكوك خليجية بإمكان أن يكون خلف المتورط مسؤول أو جهاز إسرائيلي او يهودي على الأقل، يعمل في خدمة نتنياهو أو خصومه لا فارق. ذلك انّ وجود طيار يهودي احتياطي على متن الطائرة، دفع المحققين إلى توجيه أكثر من سؤال للبحث عن هوية الطيار الموجود "بمصادفة" غير طبيعية، لاستكشاف الدوافع التي قادته إلى المشاركة في الرحلة، عدا عمّا يمكن أن يتسبب به حرف التحقيق في اتجاهات اخرى، وهو امر قد لا يطول انتظاره.