Search Icon

من إيران إلى غرينلاند… ما الذي تخفيه فوضى ترامب؟

منذ ساعة

دوليات

من إيران إلى غرينلاند… ما الذي تخفيه فوضى ترامب؟

الاحداث - بقلم المحلل الجيوسياسي

ليس أخطر ما في سياسات دونالد ترامب أنها تُربك النظام الدولي، بل أنها تهدد بتقويض الأسس التي قامت عليها الهيمنة الأميركية نفسها. فواشنطن التي قادت لعقود منظومة عالمية تستند إلى التحالفات والتجارة والمؤسسات الدولية، تبدو اليوم أكثر استعداداً لاستخدام أدوات نفوذها للضغط على الحلفاء والخصوم على حد سواء، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار المنظومة التي منحتها موقعها الاستثنائي.

من الحرب على إيران إلى الضغوط التجارية على كندا والمكسيك، مروراً بفنزويلا وغرينلاند وقناة بنما، تتكشف ملامح مقاربة أميركية مختلفة للعلاقات الدولية. مقاربة تمنح السيطرة على الموارد الاستراتيجية والممرات التجارية والأمن الاقتصادي أولوية متقدمة، وتتعامل مع الاعتماد المتبادل باعتباره أداة لفرض الشروط، لا مجرد أساس للتعاون.

وتكشف الحرب على إيران جانباً أساسياً من هذه المعادلة. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، مرّ عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط ومشتقاته يومياً خلال عام 2025، بما يعادل قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً. وأي اضطراب في هذا الممر يهدد اقتصادات صناعية كبرى، لا سيما في آسيا، تعتمد على إمدادات الخليج لتأمين احتياجاتها من الطاقة.

في المقابل، تتمتع الولايات المتحدة بموقع مختلف باعتبارها إحدى أكبر القوى المنتجة للنفط والغاز عالمياً. فكلما ازدادت المخاطر المرتبطة بإمدادات الشرق الأوسط، ارتفعت الأهمية الاستراتيجية للمنتجين البديلين. وتتجاوز التداعيات قطاع الطاقة إلى الأسمدة وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي، ما يضاعف الضغوط على الدول الأكثر اعتماداً على الأسواق الخارجية.

لكن هذه الحقيقة لا تجعل الحرب مكسباً استراتيجياً أميركياً بالضرورة. فالاستفادة من ارتفاع الطلب على الطاقة لا تعوّض تلقائياً الخسائر الناتجة عن اضطراب التجارة، وارتفاع الأسعار، واستنزاف الموارد العسكرية، وتراجع الثقة باستقرار الأسواق. والأهم أن استفادة طرف من أزمة لا تثبت أنه خطط لإحداثها.

وفي هذا السياق، تكتسب التحركات الأميركية تجاه فنزويلا، والاهتمام بغرينلاند وقناة بنما، دلالات تتجاوز الملفات المنفصلة. فالأولى تمتلك احتياطيات نفطية هائلة، والثانية موقعاً بالغ الأهمية في التوازنات القطبية، فيما تمثل الثالثة أحد أبرز شرايين التجارة العالمية. ويعكس الاهتمام بهذه المواقع إدراكاً متزايداً لأهمية الموارد والجغرافيا في المنافسة بين القوى الكبرى.

غير أن السعي إلى تعزيز النفوذ لا يضمن القدرة على التحكم بمسارات الاقتصاد العالمي. فامتلاك الموارد لا يعني احتكارها، والتفوق العسكري لا يضمن السيطرة السياسية، والضغط الاقتصادي لا ينتج بالضرورة امتثالاً دائماً.

والأكثر دلالة هو انتقال هذا المنطق إلى العلاقات مع الحلفاء. فكندا والمكسيك، الشريكتان في واحدة من أكثر المنظومات التجارية تكاملاً في العالم، أصبحتا هدفاً للضغوط الجمركية والمساومات الاقتصادية. وفي تموز 2026، رفضت واشنطن تمديد اتفاقية التجارة الحرة الثلاثية بصيغتها القائمة، رغم تأييد الدولتين تجديدها، واتجهت إلى مسارات تفاوضية منفصلة، مع استمرار سريان الاتفاق.

هنا يتجاوز الخلاف حدود التجارة ليطرح سؤالاً عن طبيعة القيادة الأميركية. فالنظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية لم يستند إلى القوة الأميركية وحدها، بل إلى قدرة واشنطن على إقناع شركائها بأن استقرار هذا النظام يخدم مصالحهم أيضاً.

أما حين تتحول الشراكة إلى علاقة مشروطة بالامتثال، وتصبح أدوات الاعتماد الاقتصادي وسائل للضغط، فإن الولايات المتحدة تخاطر بخسارة أحد أهم مصادر نفوذها: الثقة.

وهذه المخاطر لا تقتصر على الجانب السياسي. فحتى الهيمنة المالية الأميركية، التي تستند إلى مركزية الدولار وأسواق سندات الخزانة، لا يمكن فصلها عن ثقة المستثمرين باستقرار المؤسسات والأسواق. ولا يضمن ارتفاع حاجة الدول إلى الموارد الأميركية استمرار اعتمادها المالي على واشنطن، خصوصاً إذا ارتفعت كلفة التعامل معها.

والنتائج العكسية لهذه المقاربة بدأت تظهر في توجهات الحلفاء أنفسهم. فالاتحاد الأوروبي يمضي في تعزيز قدراته الدفاعية ضمن خطة «الجاهزية 2030»، في مسار يرتبط بالحرب الروسية الأوكرانية وبالحاجة إلى تقليص التبعية الاستراتيجية للخارج. ورغم أن هذه التوجهات سبقت بعض المواجهات الحالية مع واشنطن، فإن الضغوط الأميركية تمنحها زخماً سياسياً إضافياً.

وهنا تكمن المفارقة: كلما بالغت الولايات المتحدة في توظيف اعتماد الآخرين عليها، ازدادت دوافعهم إلى البحث عن بدائل. وما تحققه واشنطن من تنازلات قصيرة الأمد قد تدفع ثمنه تراجعاً طويل الأمد في نفوذها.

ولا يحتاج تفسير هذه السياسات إلى افتراض وجود مخطط أميركي لإسقاط الاقتصاد العالمي أو تعمّد خسارة الحرب على إيران. فالمشكلة ليست في إثبات عبقرية خفية وراء كل قرار، بل في تقييم ما إذا كانت الأدوات المستخدمة تتناسب مع الأهداف المعلنة، وما إذا كانت كلفتها الاستراتيجية تفوق مكاسبها.

إن الانتقال من قيادة النظام الدولي إلى محاولة إخضاعه ليس مجرد تغيير في الأسلوب، بل مخاطرة بمصدر القوة الأميركية نفسه. فالولايات المتحدة لم تصبح قوة عظمى لأنها استطاعت فرض إرادتها فحسب، بل لأنها نجحت في بناء منظومة جعلت دولاً كثيرة ترى في التعاون معها مصلحة تتجاوز الخضوع لقوتها.

واليوم، تبدو هذه المعادلة أمام اختبار حقيقي. فإعادة تعريف الهيمنة على أساس الضغط والإكراه قد تمنح واشنطن قدرة أكبر على انتزاع المكاسب المباشرة، لكنها تهدد بتقليص استعداد الآخرين لقبول قيادتها.

والسؤال ليس ما إذا كان ترامب يمتلك استراتيجية، بل ما إذا كانت استراتيجيته تقوّض المصالح التي يفترض أنها وُضعت لحمايتها.

فالقوة التي تجعل العالم محتاجاً إليها ليست بالضرورة قادرة على كسب ثقته، والهيمنة التي تفرض التبعية قد تزرع في داخلها أسباب التمرد عليها.

ولعل أخطر ما يواجه الولايات المتحدة اليوم ليس صعود منافسيها، بل احتمال أن تصبح سياساتها نفسها عاملاً في تسريع تراجعها.

فهل يدرك ترامب أن القوة الأميركية لا تُقاس بقدرتها على إخضاع الحلفاء والخصوم، بل بقدرتها على الحفاظ على منظومة تجعل العالم راغباً في الشراكة معها؟ وهل تقود سياسة الضغط والإكراه إلى تجديد الهيمنة الأميركية، أم أنها تسرّع تفككها وتدفع العالم إلى البحث عن نظام دولي لا تكون واشنطن مركزه الوحيد؟