Search Icon

من صفقة علي الطاهر إلى صفعة الحكومة... الثقة تهتز وتقع

منذ 19 دقيقة

من الصحف

من صفقة علي الطاهر إلى صفعة الحكومة... الثقة تهتز وتقع

الاحداث- كتب ألان سركيس في صحيفة نداء الوطن يقول:"لم تكن معركة علي الطاهر مجرد خسارة عسكرية لـ"حزب الله"، بل شكلت نقطة تحوّل في العلاقة بين الحزب وجمهوره، بعدما خرجت إلى الواجهة رواية عن صفقة قضت بإخراج عناصر "الحرس الثوري" الإيراني من المنطقة، فيما تُرك مقاتلو "الحزب" في مواجهة المصير الأصعب.

بغض النظر عن تفاصيل الروايات المتضاربة حول ما جرى، فإن الصورة التي وصلت إلى جمهور الممانعة كانت واضحة، إيران أنقذت رجالها، و"حزب الله" بقي في الميدان. وهذه الصورة وحدها كافية لطرح السؤال الأصعب: هل تغيّرت قواعد التحالف، وهل أصبح "الحزب" يدفع ثمن الحسابات الإيرانية؟

 

المشكلة أن علي الطاهر ليست مجرد تلة. إنها موقع استراتيجي سقط بعدما كان "الحزب" يقدم وجوده العسكري في الجنوب كعنوان لحماية الأرض وأهلها. وعندما يظهر الإيراني في موقع من يخرج من الخطر، فيما يبقى اللبناني في قلب المواجهة، تبدأ الثقة بالاهتزاز. إيران لديها حساباتها، وإسرائيل لديها أهدافها، أما "حزب الله" فوجد نفسه أمام معادلة عسكرية مختلفة، بعدما لم يعد قادرًا على إدارة الميدان بالشروط التي اعتادها. والأخطر أن هذا الشعور لم يبقَ محصورًا في السياسة، بل وصل إلى جمهور "الحزب" وأهالي الجنوب الذين يسألون اليوم عن جدوى القوة التي قيل إنها وُجدت لحمايتهم.

ومن علي الطاهر إلى النبطية، استمر الضغط الإسرائيلي، وبقيت المنطقة تحت النار وفي دائرة الخطر. وهنا اضطرت الدولة اللبنانية إلى التحرك سريعًا، مع تعزيز حضور الجيش والمؤسسات الأمنية، بعدما أصبح واضحًا أن حماية الأهالي لا يمكن أن تبقى رهينة معادلة واحدة. وهذه لحظة سياسية بامتياز، لأن الدولة التي كان يُقال إنها غائبة عن الجنوب عادت لتظهر في المشهد، فيما بدأ الحزب يفقد تدريجياً احتكاره لمعادلة الحماية والقرار.

ثم جاءت الصفعة الثانية، وكانت هذه المرة في مجلس النواب. طوال الفترة التي سبقت جلسة الثقة، كان إعلام الممانعة ونوابها يصوّب على الحكومة، ويقدمها على أنها تسهّل للعدو وتعمل في اتجاه يتعارض مع مصلحة "حزب الله". ارتفع السقف السياسي إلى أقصى الحدود، وكان يفترض أن تكون لحظة التصويت ترجمة لهذا الخطاب، أي حجب الثقة عن الحكومة والسعي إلى إسقاطها. لكن المفاجأة جاءت عندما غادر نواب "حزب الله" الجلسة من دون التصويت لحجب الثقة، فمرّت الحكومة ونالت ثقة المجلس.

هنا كانت الصفعة الحقيقية. فالمشكلة لم تعد في موقف الحكومة، بل في الفارق بين خطاب "الحزب" وممارسته. كيف يمكن مهاجمة الحكومة واتهامها بتسهيل مهمة العدو، ثم عدم التصويت ضدها عندما تأتي لحظة القرار؟ وكيف يمكن لإعلام الممانعة أن يخوض معركة سياسية مفتوحة ضد الحكومة، فيما يختار "الحزب" الانسحاب بدلا من المواجهة داخل المجلس؟ هذا التناقض لم يمرّ بسهولة على جمهور الممانعة، لأن الناس لا تقيس المواقف بالكلام فقط، بل بما يحدث عندما تأتي لحظة الاختبار.

من هنا تتراكم أزمة الثقة. في علي الطاهر اهتزت صورة الحماية العسكرية، وفي مجلس النواب اهتزت صورة القرار السياسي. "الحزب" الذي كان يقول إنه قادر على حماية الجنوب، يجد نفسه أمام واقع عسكري جديد، و"الحزب" الذي كان يملك قدرة واسعة على فرض إيقاعه السياسي، يجد نفسه أمام حكومة لم يحجب عنها الثقة. وبين التطورين، تتغير نظرة جمهور الحزب إلى المعادلة كلها.

المسألة إذًا ليست سقوط موقع أو فشل تصويت. المسألة أن "حزب الله" لم يعد قادرًا على تقديم الإجابات نفسها التي كان يقدمها في السابق. عسكريًا، خسر جزءًا من قدرته على حماية الجنوب وردع إسرائيل. وسياسيًا، تراجع هامش حركته ولم يعد قادرًا على تحويل كل خطاباته إلى قرارات. أما جمهوره، فأصبح أمام سؤال أكثر صعوبة: إذا كان "الحزب" لا يستطيع حماية الجنوب كما في السابق، ولا يستطيع إسقاط حكومة يعتبرها خصمًا، فما الذي بقي من المعادلة التي بُنيت عليها الثقة؟

من صفقة علي الطاهر إلى صفعة الحكومة، لا يبدو أن الخسارة تتوقف عند الأرض أو السياسة. الخسارة الأكبر هي أن تهتز الثقة. وعندما تهتز الثقة، يصبح ترميم الصورة أصعب بكثير من استعادة موقع عسكري أو تعويض خسارة سياسية.