الأحداث – كتبت ليلى خوري
لم تكن عبارة «الطريق إلى بيروت والبقاع باتت مفتوحة» التي أطلقتها صحيفة «معاريف» الإسرائيلية بعد الحديث عن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر مجرّد عنوان صحافي عابر. فهي، في توقيتها ومضمونها، تحمل رسالة تتجاوز حدود الموقع العسكري الذي تدور حوله المعارك، وتطرح سؤالاً بالغ الحساسية: هل بدأت إسرائيل تنظر إلى جنوب لبنان باعتباره بوابة نحو مرحلة جديدة من العمليات، يكون فيها العمق اللبناني جزءاً من ساحة الضغط؟
من الناحية العسكرية، لا تعني السيطرة على مرتفع استراتيجي أن الطريق البرية إلى بيروت أصبحت خالية أو أن قراراً باجتياح العاصمة قد اتُّخذ. لكن أهمية علي الطاهر تكمن في موقعه ضمن منظومة المرتفعات والتحصينات التي لطالما اعتُبرت جزءاً من العمق الدفاعي لحزب الله في الجنوب.
وبحسب ما أوردته تقارير إعلامية، تعتبر إسرائيل أن السيطرة على منشآت وأنفاق في المنطقة تمثل ضربة لمنظومة دفاعية كان الحزب قد بناها على مدى سنوات. وتذهب القراءة الإسرائيلية إلى أن انهيار هذه المنظومة يوسّع هامش الحركة والخيارات العسكرية أمام الجيش الإسرائيلي.
ليست المسألة «طريقاً» بالمعنى الجغرافي
هنا تكمن النقطة الأهم.
حين تقول «معاريف» إن الطريق إلى بيروت والبقاع باتت مفتوحة، فليس المقصود بالضرورة وجود طريق عسكرية مباشرة تستطيع الدبابات الإسرائيلية سلوكها من علي الطاهر إلى قلب بيروت.
المقصود، على الأرجح، هو أن الحواجز العسكرية التي كانت تحدّ من إمكان انتقال العمليات من جنوب لبنان إلى مناطق أعمق قد تكون تراجعت، وفق التقدير الإسرائيلي.
وهذا فارق جوهري.
فالحديث يتعلق بالخيارات العملياتية وليس بخريطة اجتياح جاهزة.
لماذا البقاع تحديداً؟
ذكر البقاع إلى جانب بيروت ليس تفصيلاً.
فالبقاع يشكل، في الحسابات العسكرية المتعلقة بلبنان، منطقة ذات أهمية استراتيجية، لارتباطه بشبكات الحركة والإمداد والعمق الجغرافي، وبسبب موقعه الذي يربط مناطق لبنانية عدة.
وتذهب بعض القراءات التي تناولت ما بعد علي الطاهر إلى أن أي تقدم إسرائيلي باتجاه مرتفعات إقليم التفاح، إذا حصل، يمكن أن يضغط على خطوط التواصل بين الجنوب والبقاع الغربي، بما ينعكس على العمق اللوجستي والعسكري لحزب الله. وفي هذه الحالة، يصبح الحديث عن «بيروت والبقاع» جزءاً من تصور أوسع لمحاولة عزل مناطق عن بعضها، وليس بالضرورة إعلاناً عن اجتياح مباشر للعاصمة.
من الجنوب إلى الضاحية… هل يتكرر سيناريو 1982؟
هنا تدخل العبارة الإسرائيلية منطقة شديدة الحساسية.
فمجرد استحضار «بيروت» في سياق تقدم عسكري إسرائيلي يعيد إلى الذاكرة اللبنانية تجربة عام 1982، عندما وصلت القوات الإسرائيلية إلى العاصمة.
لكن إسقاط سيناريو 1982 على الواقع الحالي سيكون تبسيطاً مفرطاً.
فالظروف الإقليمية والدولية والعسكرية مختلفة، وأي عملية برية واسعة باتجاه بيروت ستكون ذات كلفة هائلة، سياسياً وعسكرياً وإنسانياً.
لذلك، فإن الأرجح أن التهديد ببیروت يؤدي في المرحلة الحالية وظيفة ردعية وضاغطة أكثر من كونه إعلاناً عن قرار اجتياح وشيك.
لكن الخطورة تكمن في أن التهديد نفسه قد يتحول إلى أداة لتغيير قواعد الاشتباك.
إسرائيل تريد نقل الرسالة من «الحدود» إلى «العمق»
منذ فترة، لم يعد الخطاب الإسرائيلي تجاه لبنان محصوراً بفكرة منع إطلاق النار من الجنوب.
فاللغة المستخدمة باتت تتحدث بصورة متزايدة عن الأمن الإسرائيلي في العمق، وعن حرية العمل العسكري، وعن ضرورة إزالة قدرات حزب الله وليس فقط إبعاده عن الحدود.
وقد نقلت وسائل إعلام لبنانية عن وزير الدفاع الإسرائيلي إيصالات كاتس أن السيطرة على علي الطاهر تمثل إحكاماً للقبضة الأمنية الإسرائيلية في جنوب لبنان، مع استمرار الحديث عن عدم الانسحاب قبل تحقيق أهداف إسرائيلية مرتبطة بسلاح حزب الله.
وهنا يصبح علي الطاهر أكثر من موقع عسكري.
إنه اختبار لمدى قدرة إسرائيل على فرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي تسوية سياسية.
الحرب النفسية جزء من المعركة
لا يمكن تجاهل البعد الإعلامي.
في الحروب الحديثة، الإعلان عن السيطرة على موقع استراتيجي ثم الحديث عن «الطريق إلى بيروت» لا يخاطب الخصم وحده.
إنه يخاطب أيضاً:
المجتمع الإسرائيلي: لإظهار أن الجيش يحقق تقدماً وأن التهديد عن الحدود يمكن دفعه إلى الداخل اللبناني.
حزب الله: لإبلاغه بأن إسرائيل تعتبر نفسها قادرة على توسيع مجال عملياتها.
الدولة اللبنانية: للضغط عليها في سياق التفاوض حول مستقبل الجنوب والسلاح والانتشار.
الوسطاء والمجتمع الدولي: للقول إن إسرائيل، إذا لم تحصل على ما تعتبره ضمانات أمنية، تملك خيارات عسكرية إضافية.
وبذلك يصبح الإعلام جزءاً من المعركة السياسية والعسكرية في آن.
الأخطر: «الطريق المفتوحة» قد تكون ورقة تفاوض
ربما يكون هذا هو البعد الأكثر أهمية.
فليس ضرورياً أن تسير إسرائيل فعلياً نحو بيروت حتى تستفيد من عبارة «الطريق إلى بيروت مفتوحة».
يكفي أن تجعل الخصم يعتقد أن هذا الاحتمال أصبح أكثر واقعية.
عندها تتحول القدرة العسكرية إلى ورقة تفاوض.
كلما ارتفع سقف التهديد، يصبح المطلوب من الطرف الآخر أكبر، وتصبح أي مفاوضات تجري تحت ضغط النار مختلفة جذرياً عن مفاوضات تجري في ظل وقف إطلاق النار.
وهذا مهم خصوصاً في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل، فيما تترافق الاتصالات السياسية مع تصعيد ميداني. وقد أشارت تقارير لبنانية إلى المخاوف من تأثير التصعيد على الجولة المقبلة من المفاوضات المرتقبة في روما.
هل نحن أمام اجتياح جديد؟
حتى الآن، لا يمكن استنتاج ذلك من عبارة «معاريف» وحدها.
فالحديث عن «فتح الطريق» لا يساوي قراراً عسكرياً باجتياح بيروت، كما أن السيطرة على علي الطاهر لا تعني انهيار كل منظومة الدفاع في لبنان.
لكن يمكن القول إن العبارة تكشف شيئاً أكثر أهمية: السقف الذي تسمح به إسرائيل لخطابها العسكري ارتفع بشكل واضح.
والسؤال لم يعد فقط: ماذا يحدث جنوب الليطاني؟
بل أصبح: إلى أي مدى يمكن أن تمتد العمليات إذا فشلت المفاوضات أو قررت إسرائيل توسيع أهدافها؟
الخلاصة: بيروت ليست غداً… لكنها دخلت قاموس التهديد
القول إن «الطريق إلى بيروت والبقاع باتت مفتوحة» لا يعني أن الدبابات الإسرائيلية في طريقها إلى العاصمة اللبنانية.
لكنه يعني أن بيروت والبقاع دخلا مجدداً في قاموس التهديد العسكري الإسرائيلي.
وهذه بحد ذاتها إشارة سياسية وعسكرية لا يمكن الاستهانة بها.
فإسرائيل تحاول، عبر السيطرة على مواقع استراتيجية في الجنوب وعبر رفع سقف خطابها، أن تقول إن قواعد اللعبة تغيرت، وإنها تريد أن تمتلك هامشاً أوسع للتحرك داخل لبنان.
أما السؤال الحاسم، فهو ما إذا كان هذا التهديد سيبقى ورقة ردع وضغط على طاولة المفاوضات، أم سيتحول إلى خطة عملياتية لتوسيع الحرب نحو العمق اللبناني.
وبين الاحتمالين، يبقى علي الطاهر نقطة مفصلية: فإذا توقفت العمليات عنده، يكون قد أدى وظيفة عسكرية وسياسية. أما إذا بدأ التوسع بعده نحو إقليم التفاح والبقاع، فعندها يصبح الحديث عن «الطريق إلى بيروت» أكثر من مجرد عنوان صحافي.