الأحداث - افتتح وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين منتدى الأبحاث في علم الأورام “FRON 2026″، الذي ينظمه قسم أمراض الدم والأورام في مستشفى أوتيل ديو وكلية الطب في جامعة القديس يوسف في بيروت، بالشراكة مع الجمعية اللبنانية لأمراض الدم والأورام “AMAAC”، في مبنى ريمون وعايدة النجار في كلية الطب بالجامعة، بحضور رئيس جامعة القديس يوسف في بيروت البروفسور فرانسوا بوديك، وممثل نقيب الأطباء في بيروت الدكتور نبيل شمس الدين، ونائب الرئيس لشؤون البحث العلمي في الجامعة البروفسور نسيم فارس، وعدد من عمداء كليات الطب والعلوم الطبية وممثلي الجامعات، إلى جانب حشد من الأطباء والاختصاصيين والباحثين في مجال أمراض الدم والأورام.
وأكد ناصر الدين، في كلمة خلال المنتدى، أهمية الشراكة بين وزارة الصحة العامة والمؤسسات الأكاديمية في وضع الاستراتيجيات وتوفير أحدث العلاجات للمرضى والمجتمع، مشيرًا إلى أن “البرنامج الوطني للسرطان”، الذي يشكل جزءًا أساسيًا من الخطة الاستراتيجية للوزارة، لم يكن ليُنجز بفعالية لولا الشراكة مع القطاع الأكاديمي.
وشدد على أن الوقاية والكشف المبكر يشكلان ركنًا أساسيًا من البرنامج الوطني لمكافحة السرطان في لبنان، معلنًا أن الوزارة ستطلق في 8 تشرين الأول المقبل الحملة الوطنية لسرطان الثدي.
ولفت إلى أن أجهزة التصوير الشعاعي للثدي “Digital Mammography” أصبحت متوفرة في جميع المستشفيات الحكومية، معلنًا أن فحوص الكشف المبكر عن سرطان الثدي ستكون متاحة مجانًا طوال أيام السنة للمرة الأولى، ومشيرًا إلى أن الوزارة تحضّر لإطلاق حملات مماثلة للتوعية والوقاية والكشف المبكر من سرطانات أخرى خلال الأشهر المقبلة.
وأكد ناصر الدين أن حملات التوعية والوقاية “لا تكفي إذا لم تتوافر البيانات”، مشيرًا إلى أن وزارة الصحة العامة أعادت تفعيل السجل الوطني للسرطان بإدارة المدير العام للوزارة. وأوضح أن العمل شمل استكمال البيانات التي كانت تغطي الأعوام من 2021 إلى 2024، فيما يجري العمل حاليًا على بيانات عام 2025، على أن يتم نشرها قريبًا.
وفي ما يتعلق بعلاج مرضى السرطان، أوضح ناصر الدين أن الموازنة لا تزال غير كافية لتغطية جميع المرضى والعلاجات الحديثة والمتقدمة، مشيرًا في المقابل إلى أن الوزارة وسّعت البروتوكولات العلاجية بنسبة 400 في المئة مقارنة بما كان عليه الوضع عند بدء الولاية الوزارية.
ولفت إلى استمرار الوزارة في تغطية المرضى الذين لا تشملهم الجهات الضامنة، موضحًا أن الوزارة تعمل على مقاربة ملف الدواء من زاويتين أساسيتين، هما الحفاظ على جودة الأدوية والحصول في المناقصات على أفضل الأسعار الممكنة.
وأشار إلى أن الوزارة شكّلت لجانًا وفرق عمل متخصصة بالتعاون مع القطاع الأكاديمي، تضم نحو 14 طبيبًا في علم الأدوية “Pharmacology”، لدراسة الأدوية البديلة الحيوية “Biosimilars” التي تدخل إلى لبنان، مؤكدًا أن الوزارة ستدرس مختلف الأدوية التي تدخل إلى السوق اللبنانية، بالتعاون مع المنظمات الدولية، ولا سيما منظمة الصحة العالمية “WHO”، بهدف وضع الإرشادات والمعايير الخاصة بها.
وشدد ناصر الدين على أن دور وزارة الصحة العامة “لا يقتصر على تسجيل الدواء وتوزيعه”، بل يتمثل أساسًا في وضع الاستراتيجيات والسياسات الصحية، لافتًا إلى أن عددًا من الدول يعتمد وكالات وطنية متخصصة للدواء.
وأعلن أن العمل على إنشاء الوكالة الوطنية للدواء يشكل “إنجازًا أساسيًا” سيتم الإعلان عنه في الفترة المقبلة، مؤكدًا أهمية هذا الملف ودعمه لإنشاء الوكالة، ومعتبرًا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى “ثقافة المؤسسات”، بعيدًا من حصر المهمات بجهة واحدة.
من جهته، أكد رئيس جامعة القديس يوسف في بيروت البروفسور فرانسوا بوديك أن البحث العلمي لا يقتصر على إنتاج البيانات، بل يتطلب الشجاعة لطرح الأسئلة والتحقق من الفرضيات وتقبّل النقد، وأحيانًا الاعتراف بأن النتائج ليست تلك التي كان الباحثون يأملونها.
وأشار إلى أن هذا النهج العلمي يتلاقى مع رسالة الجامعة، موضحًا أن التعليم “لا يقتصر على نقل المعارف والمهارات، بل يجب أن يساهم أيضًا في بناء أشخاص قادرين على التفكير والتمييز والحوار وتحمل المسؤولية”.
ولفت بوديك إلى أهمية هذه المسؤولية في مجال علم الأورام، في ظل التطورات العلمية المتسارعة، ولا سيما في مجالات العلاج المناعي والعلاجات الموجّهة والطب الدقيق والبيولوجيا الجزيئية والذكاء الاصطناعي، التي تغيّر بصورة عميقة طريقة فهم السرطان وعلاجه.
وأكد ضرورة عدم إغفال البعد الإنساني خلف كل ابتكار، مشيرًا إلى أن “وراء كل ابتكار مريضًا يأمل، وعائلة تشعر بالقلق، وفريقًا طبيًا يبحث عن أفضل قرار ممكن”.
وختم بالتشديد على أن البحث في علم الأورام لا معنى له إلا إذا ساهم في التوعية على السرطان والوقاية منه وعلاجه بصورة أفضل، وفي نهاية المطاف في تقديم رعاية أفضل للإنسان.
بدوره، أشار ممثل نقيب الأطباء في بيروت الدكتور نبيل شمس الدين إلى أن العالم دخل مرحلة غير مسبوقة من التطور العلمي، إذ بات ما كان يحتاج إلى سنوات من البحث يتحقق خلال أشهر، بفضل التقدم في البيولوجيا الجزيئية والطب الدقيق والعلاج المناعي والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات المعقدة.
وأوضح أن اختصاص الأورام يشكل المثال الأوضح على هذا التسارع العلمي، مع تسجيل اكتشافات يومية تغيّر مسار المرض وتمنح المرضى فرصًا جديدة للحياة.
ولفت شمس الدين إلى أن القطاع الطبي اللبناني لم يستسلم رغم الأزمات المالية والاقتصادية ومحدودية الإمكانات والتقصير الرسمي في توفير بيئة حاضنة للبحث العلمي.
وشدد على أن استمرار هذا النجاح يجب ألا يبقى معتمدًا فقط على تضحيات المؤسسات والأفراد، مؤكدًا أن “الاستثمار في البحث العلمي لم يعد ترفًا، بل هو استثمار في مستقبل الوطن وصحة مواطنيه”، وداعيًا الدولة إلى وضع البحث العلمي ضمن أولوياتها عبر توفير التمويل وتعزيز الشراكة بين الجامعات والمستشفيات ودعم الباحثين الشباب.
كما وجّه تحية إلى وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين على متابعته لتأمين علاجات مرضى السرطان، معتبرًا أن ذلك “لا يندرج فقط في إطار المسؤولية الصحية، بل هو أيضًا مسؤولية إنسانية ووطنية”، ومثمنًا الجهود المبذولة لتخفيف معاناة المرضى وأهلهم وضمان حقهم في الحصول على العلاج.
من جهته، تمنى الأمين العام للجمعية اللبنانية لأمراض الدم والأورام “AMAAC” البروفسور سامي الخطيب، في كلمة ألقاها عبر الإنترنت، للمنتدى النجاح، مؤكدًا أهمية مواصلة تحقيق المزيد من التقدم وتعزيز الشراكة وتبادل الأفكار والخبرات في مجال علم الأورام.
وكان رئيس المنتدى البروفسور يوسف قطان قد ألقى الكلمة الافتتاحية، موضحًا أن المنتدى ينعقد منذ عام 2014 من دون انقطاع، بعد 13 عامًا من الالتزام والمثابرة والجهود المتواصلة.
وقال إن المنتدى شكّل “قاطرة حقيقية للبحث في علم الأورام”، لافتًا إلى أن روح الفريق التي تميز عمل الأطباء في قسم أمراض الدم والأورام في مستشفى أوتيل ديو دو فرانس أسهمت في تحقيق تطور لافت في الإنتاج العلمي.
وأشار إلى أن عدد الأبحاث المنشورة ارتفع تدريجيًا من ثلاثة مقالات فقط عام 2013 إلى 46 مقالًا علميًا محكّمًا هذا العام، متجاوزًا الرقم القياسي السابق البالغ 45 منشورًا، والذي سجله القسم العام الماضي.
بدوره، أكد نائب الرئيس للبحث العلمي في جامعة القديس يوسف البروفسور نسيم فارس أن “البحث ليس ترفًا يمكن للجامعة أن توفره عندما تسمح الظروف، بل هو ضرورة”، موضحًا أنه يتيح للطب التقدم وللممارسات الطبية التطور وللمجتمعات الاستجابة بصورة أفضل للتحديات.
وأشار إلى أن البحث العلمي “مفتاح”، موضحًا أن فتح الأبواب فعليًا والاستمرار على المدى الطويل يتطلبان ألا يبقى البحث مجرد نشاط، بل أن يتحول إلى “ثقافة ونهج تفكير” يترسخان في الممارسات.
وشدد فارس على ضرورة نقل هذه الثقافة إلى الطلاب والباحثين الشباب، من خلال تعزيز حب طرح الأسئلة والروح النقدية والقدرة على تحويل الملاحظة إلى معرفة والمعرفة إلى تقدم.
وألقى الدكتور موسى رياشي كلمة عميد كلية الطب في جامعة القديس يوسف البروفسور إيلي نمر، شدد فيها على الحاجة إلى جمع الخبرات والمجموعات البحثية والبيانات والبنى التحتية، وقبل كل شيء الأفكار.
وقال إن “الفكرة الجيدة، عندما تبقى معزولة، تظل فكرة جيدة، أما عندما تتم مشاركتها فقد تتحول إلى مشروع، وعندما يجمع المشروع بين فرق عدة، يمكن أن يؤدي أحيانًا إلى تقدم حقيقي”.
وأشار إلى أن هذه الروحية هي أيضًا ما يجب نقله إلى الباحثين الشباب، معتبرًا أن المنتدى يكتسب أهميته من هذا التعاون، إذ لم يعد مجرد منتدى تنظمه مؤسسة، بل يتحول تدريجيًا إلى مجتمع، لبناني أولًا وإقليمي اليوم، آملًا أن يصبح أوسع نطاقًا غدًا.
وفي خلال المنتدى، جرى تكريم البروفسور مروان غصن تقديرًا لمسيرته الأكاديمية والطبية وإسهاماته في مجال أمراض الدم والأورام.
وتولى غصن خلال مسيرته المهنية مسؤوليات أكاديمية بارزة في جامعة القديس يوسف ومستشفى أوتيل ديو دو فرانس، وأسهم في تدريب أجيال من الأطباء وتطوير اختصاص أمراض الدم والأورام.
وكانت جامعة القديس يوسف قد منحته لقب “أستاذ فخري” وميدالية الشرف، تقديرًا لالتزامه وإسهاماته في خدمة الجامعة ومؤسساتها، ولا سيما أنه أثبت في مسيرته أنه طبيب ملتزم بمرضاه، ودافع باستمرار عن مقاربة في علم الأورام لا تقتصر على علاج المرض، بل تنظر إلى المريض في خصوصيته وتكامله، من خلال اعتماد الطب الدقيق وتوفير الدعم الإنساني وتعزيز التعاون بين مختلف الاختصاصات الطبية.