الاحداث- كتبت صحيفة "الأنباء" الالكترونية: لا تترك إسرائيل للبنانيين هامشاً واسعاً لتفسير نياتها. فما تقوله قيادتها السياسية، ينفّذه جيشها تدميراً وتفجيراً واقتلاعاً، في عدوان يضرب مقوّمات الحياة والعودة والاستقرار. وبعد إعلان السيطرة العملياتية على تلال علي الطاهر، خرج رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، أمس الاثنين، ليؤكد أنّ عملاً لا يزال يتعيّن على الجيش الإسرائيلي إنجازه، فاتحاً الباب أمام مواصلة الاعتداءات وتوسيع رقعتها.
يتزامن هذا التهديد مع تكثيف الهجمات على المنصوري، التي تتقدّم في بنك الأهداف الإسرائيلية بعد علي الطاهر، ويأتي عقب الاعتداءات المكثّفة على النبطية. وفي موازاة ذلك، يأتي الكلام المنقول عن هرئيل كانفو، عضو حركة "الأمنيين" الإسرائيلية، بشأن تدمير النبطية وصور بوصفهما أكبر مدينتين شيعيتين في الجنوب، ليكشف حقيقة النوايا الإسرائيلية التي تتعامل مع تدمير المدن باعتباره إنجازاً.
أمام هذا المشهد، يصعب فصل تفجير التلال واقتلاع الأشجار وتدمير المنازل والبنى التحتية المدنية وتهجير مئات الآلاف عن مسعى إسرائيل لتحويل الجنوب إلى أرض غير قابلة للعيش، أو منطقة خالية من السكان، على غرار ما فعلته في أجزاء واسعة من غزة.
ومع ذلك، لا يزال خطاب في الداخل يقفز فوق الدمار ودماء المدنيين والتصريحات الإسرائيلية، ليقدّم السلام مع إسرائيل باعتباره الجواب الجاهز عن كلّ هذه الوقائع. ويذهب بعض أصحابه أبعد، فيدّعون أنّ غالبية اللبنانيين تؤيّد هذا الخيار.
وهنا، لا بدّ من التذكير، تزامناً مع وقوف بنيامين نتنياهو على تلة من تلال جبل الشيخ وتأمّله مملكته الممتدة بين سوريا ولبنان، بأنّ السلام لا يقوم بإرادة طرف واحد، ولا يتحقّق لأنّ فريقاً أعلن رغبته فيه. إنّه يحتاج إلى طرف مقابل يؤمن به، بخلاف إسرائيل التي لا تريد إنهاء الاحتلال، ولا وقف الاعتداءات، ولا احترام السيادة والحدود الدولية، ولا تتخلّى عن سياسة فرض الوقائع بالقوة. فأين يظهر الاستعداد للسلام في السلوك الإسرائيلي؟ وأيّ منطق هذا الذي يزعم أنّ "السلام مع إسرائيل" ينهي كلّ ما يجري؟
ما تريده إسرائيل، وفق ممارساتها وتصريحات مسؤوليها، هو ترتيبات أمنية تضمن تفوّقها وحرية حركتها، وتشرعن توغّلاتها، وتُبقي لبنان تحت ضغط التهديد والتدخّل. وحين تعتبر أنّ أمنها يقتضي تدمير مدن الآخرين وإفراغ قراهم، تصبح الدعوة إلى السلام معها تبريراً لاستمرار العدوان.
ولا يكفي استحضار مبادرة السلام العربية لتجاوز هذا التناقض وتبرير الترويج الساذج للسلام مع إسرائيل. وهنا، لا بدّ من تذكير بعض المسؤولين الذين لا يزالون يتحدّثون عن "مبادرة السلام العربية" بأنّ إسرائيل تواصل قضم الأرض الفلسطينية، وتقوّض بذلك الأساس الذي تقوم عليه المبادرة: الأرض مقابل السلام.
وعليه، تبقى اتفاقية الهدنة الركيزة الأساسية التي ينبغي التمسّك بها في مقاربة العلاقات اللبنانية ـ الإسرائيلية، انطلاقاً من سيادة لبنان وحدوده وحقوقه. والمطلوب موقف رسمي واضح يمنع تحويل التفاوض إلى وسيلة لإدارة الاحتلال وإطالة أمده، فيما يتواصل تدمير الجنوب.
وفي موازاة التصعيد، تتّجه الأنظار إلى الاجتماع التحضيري لدعم الجيش اللبناني، المقرّر في باريس الخميس المقبل. وكشفت مصادر مطّلعة لـ"الأنباء" أنّ حماسة بعض الدول، وفي مقدّمها فرنسا، لدعم الجيش تصطدم بالموقف الأميركي الداعم لإسرائيل، ما يدفع الاجتماع نحو الاكتفاء بعرض احتياجات الجيش والقوى الأمنية، من دون تحقيق خرق فعلي. وهكذا، يواجه دعم المؤسسة العسكرية قيوداً سياسية، في وقت تتزايد فيه الأعباء الملقاة على عاتقها.
وفي هذا السياق، التقى قائد الجيش العماد رودولف هيكل، في اليرزة، السفير القطري الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، وبحث معه المستجدات اللبنانية والإقليمية. وشكر هيكل قطر على وقوفها الدائم إلى جانب المؤسسة العسكرية، مشدّداً على أهمية العلاقات الأخوية والتعاون بين الجيشين.
من جهة أخرى، بحث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هاتفياً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري التطورات الإقليمية والتنسيق لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. وأكّد عراقجي دعم بلاده لحزب الله ولصون سيادة لبنان ووحدة أراضيه. وقدّم بري عرضاً للوضع جنوباً، شاكراً إيران على دعمها، ومذكّراً بمسؤولية المجتمع الدولي والدول الإسلامية عن وقف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها.
إقليمياً، أعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس انخراط واشنطن في محادثات مباشرة مع الحوثيين، بالتزامن مع التطورات الميدانية في اليمن وسطوة الحوثيين على باب المندب. وقال إنّ الإدارة على اتصال دائم بالإمارات والسعودية وأطراف أخرى متأثّرة بالتطورات، وإنّها ستواصل مراقبة الوضع وضمان المصالح الأميركية. ولم يحدّد مكان المحادثات أو المطالب المطروحة فيها، فيما كان الرئيس دونالد ترامب قد قال إنّ الحوثيين أبلغوا واشنطن أنّهم لا يريدون قتال الولايات المتحدة.