الأحداث - كتب رضوان عقيل في صحيفة النهار يقول:"ليست المرة الاولى يقدِم مسؤول اسرائيلي على تهديد السيد حسن نصرالله بالتصفية والاغتيال. وما جاء على لسان وزير الخارجية ايلي كوهين في حكومة بنيامين نتنياهو يعبّر عن رسالة سياسية ونفسية ضد "حزب الله" في توقيت لا يخدم الاسرائيليين في حربهم المفتوحة في غزة وعلى الحدود في جنوب لبنان. ولا تنفصل تصريحات كوهين الذي لا يمثل ثقلا كبيرا مقارنة مع وزراء آخرين من فئة الصقور، عن رسائل التهديد التي وصلت الى الحزب مباشرة او عبر اصدقاء، كان أوضحها ما قالته وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولانا في لقاءاتها مع المسؤولين اللبنانيين، فضلاً عن الالمان وقبلهم كبير المستشارين في البيت الابيض آموس هوكشتاين، إذ يركز اللبنانيون على المواقف الصادرة من واشنطن اولاً.
ويأتي كلام كوهين في اطار عملية الربط الحربية والسياسية والنفسية في اسرائيل لعلها تتمكن من الخروج من حربها بأقل نسبة من الاضرار واعادة الثقة الى جيشها ومواطنيها بعد نكسة "7 اكتوبر" التي أدت الى اهتزاز صورتها الامنية. وجاء حديثه عن تصفية نصرالله بعد اغتيال القيادي في الحرس الثوري الايراني رضي موسوي في دمشق في ضربة موجهة الى رأس القيادة في طهران التي تشكل رأس هرم محور المقاومة في المنطقة.
*ويرجع كلام كوهين من خلال تلويحه باغتيال نصرالله الى جملة من الاسباب التي تدفع حكومته الى انتهاج هذا النوع من التهديدات التي لم تفارق في الاصل سياسات الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، فكيف اذا كانت دفّة القرار اليوم بين يديّ نتنياهو المحاصر بمجموعة من اقطاب اليمين المتطرف الذين ينتظرون الحلول في منصبه . وتعاني اسرائيل من حجم المأزق الذي يسيطر عليها في حربها في غزة وعدم تمكن ألوية جيشها من القضاء على القدرات العسكرية لـ"حماس" وتكبده أعدادا كبيرة من القتلى. ولا تخفي اسرائيل حجم الضغوط الملقاة على فريقها الحكومي نتيجة الضغوط والخسائر التي تتعرض لها في الشمال جراء تمكن "حزب الله" من تهجير اكثر من مئة الف شخص من مستوطناتهم الى وسط اسرائيل. ويشكل هؤلاء ارباكا حقيقيا لنتنياهو وآلته العسكرية جراء الارباك الذي يعيشه المستوطنون مع التوقف عند إقدام "حزب الله" في الايام الاخيرة على توجيه ضربات صاروخية لمنازلهم ومؤسسات مدنية وعدم اقتصارها على النقاط العسكرية، وهذا ما فعله في كريات شمونة. ويسبب القاطنون من جهة الجنوب مادة ازعاج للحكومة في تل ابيب اكثر من بني جلدتهم في غلاف غزة في الجنوب حيث تملك حججا اكبر في استهدافها غزة. ويعلن الجيش الاسرائيلي عن خسائره من قتلى وجرحى في الشمال بخفر من اجل عدم خلق مزيد من الارباك الذي يسيطر على كل القطاعات في اسرائيل. ومن غير المستغرب ان ينشط كوهين وبعثاته الديبلوماسية في العالم، وخصوصا لدى العواصم المواكبة والمتابعة لملف لبنان و"حزب الله"، في مواصلة اطلاق رسائل التهديد والوعيد لنصرالله، علما ان الحزب لا يعلّق على تصريحاته حيث يسير بموجب الاجندة التي وضعها منذ الساعة الاولى لمشاركته في الاعمال الحربية بعد "طوفان الاقصى" مستمرا في المعادلات العسكرية التي رسمها في التعاطي مع كل المواقع الاسرائيلية على طول الحدود من رأس الناقورة الى تخوم مزارع شبعا المحتلة، مع استعداده لكل الحسابات الاسرائيلية سواء بقيت على هذه الوتيرة او تطورت نحو تصعيد اكبر. ومَن يعرف طبيعة قيادات الحزب ومراسهم وعلى رأسهم نصرالله يدرك ان تصريحات كوهين وغيره من المسؤولين الاسرائيليين الحاليين والسابقين لن تمنع الرجل من السير بالمشروع الذي يعمل على تحقيقه وجبه اسرائيل والتصدي لمخططاتها في لبنان والمنطقة انطلاقا من العوامل الاستراتيجية التي وضعها الحزب وخصوصا بعد حرب غزة وامكان تمددها الى لبنان. ويعتمد الحزب على اسلوب "توازن الردع" لان "توازن قوة النار" تملكه اسرائيل، مع التذكير بانه جبهة مساندة للفلسطينيين والدفاع عن لبنان، مع التوقف عند مسألة "المنطقة العازلة" في مستوطنات الشمال وتعطيل حركتها اليومية. وينفذ الحزب هنا ضربة استباقية لمنع اسرائيل من ان تكون هي المبادر في تنفيذ مثل هذه الضربة وتفكيك قدرات الحزب العسكرية، الا ان كوابح اميركية تدخلت ومنعت التوجه الى هذا السلوك مع تصميم المقاومة على عدم القبول بأي منطقة عازلة وابتعادها من جنوب الليطاني.
ولذلك لن يتراجع الحزب عن تكثيف حجم الضغوط التي يمارسها على الاسرائيليين في الشمال والذين يقولون بانهم سيلجأون الى توسيع دائرة القتال اكثر اذا استمر الحزب في وتيرته العسكرية هذه من جهة مستوطناتهم في الشمال. وتواصل تل ابيب في موازاة آلتها الحربية عبر وزارة خارجيتها اطلاق زخم العملية الديبلوماسية مع اصدقاء مشتركين مع لبنان بعدما ثبت لها عدم وجود توجه لدى لبنان باجراء اي تعديل في القرار 1701، وهذا ما عكسه وعبّر عنه الرئيسان نبيه بري ونجيب ميقاتي اكثر من مرة وعلى مسمع كل الوفود الغربية. ولا تخفي قيادة الحزب ارتياحها لاداء رئيس الحكومة في مقاربته لتطور الاحداث في الجنوب واتصالاته مع الخارج وآخرها في لندن امس. ويبقى تهديد كوهين وغيره باستهداف نصرالله في خانة الاستهلاك الداخلي في اسرائيل التي لطالما كانت وما زالت تضع نصرالله "هدفا دائما" في بنك اغتيالاتها، مع معرفتها المسبقة بان إقدامها على مثل هذا الفعل رغم صعوبة تحقيقه يشكل ضرباً من الجنون قد يفجر اسرائيل ولبنان والمنطقة. وتبقى تهديدات كوهين في اطار الحرب النفسية والاستهلاك الاعلامي، مع الإشارة الى ان "وجبة الثأر تؤكل باردة".