Search Icon

نكبةُ حزب الله، تُوجبُ مُراجعةً ثُلاثيةَ الأطراف!

منذ ساعة

سياسة

نكبةُ حزب الله، تُوجبُ مُراجعةً ثُلاثيةَ الأطراف!

الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*

الحديثُ على المراجعة، أيَّة مراجعةٍ، يستحضرُ نظريةَ "التجربة وتصحيح الخطأ"، في علم النفس، كآليةٍ منهجيةٍ للتعلُّم والتطوُّر، بهدف تصويب المسار الأعوج، بلوغاً لحُسن الأداء.

أطلقَ "أبو علم النفس التربوي الحديث"، الأميركي "Edward Lee Northdike"، نظريةَ "الترابُط بين المحفزّات والإستجابات"، المعطوفة على "قانون الأثر"، وكلاهما يُفضيان إلى التعلُّم، عن طريق تكرار التجربة وتصحيح الخطأ. ولئنْ كان ارتكابُ الخطأ ثابتةً شائعةً، إلّا إنَّه ليس بالضرورة بالأمر السيئ، إذ يُشكِّلُ فرصةً للتعلُّم، شرط الإعتراف به، كفضيلة لا كرزيَّةٍ، استعداداً لتحسين الأداء، وكـمؤشِّرٍ على النُضج.

أمام هول الزلزال، الذي حلَّ بحزب الله، قيادةً وقاعدةً، بالتوازي مع النكبة الحالَّة ببيئته اللَّصيقة وبمصير الوطن، لم ترقَ مُطالعةُ رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة"، إلى مستوى المراجعة المدَّعاة، أقلُّه، احتراماً لأرواح الضحايا.

خساراتٌ بالجملة وعلى كلّ المستويات، من القيادات والكوادر التاريخية، بما فيها اغتيالُ "محور المحور"، وبفُقدان عُمق الجنوب و"حبل السرَّة" السوري، وانتهاءً بضرب إيران، محور المقاومة وراعيها. إلى ذلك، ثمَّة خسارةٌ وازنةٌ، تتمثَّلُ بخسارة اليد الطُولى في صناعة قرار الحكم، وتَفرُّق "عُشاق" المُقاومة، المعتاشين على عطاياها، زمن كان "كرمُها دبساً".

انتهت مُراجعةُ حزب الله الداخلية، إلى تأكيد صوابية القرار الإستراتيجي، بإسناد "نكبتَي غزَّة  وإيران"، وبتجاهُل "نكبة الجنوب"، الذي لم يجدْ من يسندُه. وتحوَّلت المراجعةُ إلى تبرير الأخطاء، من خلال توصيف سبب النكبة بـ"خللٍ جزئيٍّ تكتيكيٍّ"، دون تلميحٍ إلى تحمُّل تبعات القرار السياسي! وهكذا، أضحت مراجعةُ مآلات نكبة الحزب، بحاجةٍ إلى مراجعة حال الهروب إلى الأمام، والإيغال بنهج الإنكار. فالتبريرُ المستمرُّ للخطأ، هو قمَّةُ ثقافة التهرُّب من المسؤولية، وإمعانٌ بتأصيل الفشل، بل هو نوعٌ من التذاكي على الذات، قبل أنْ يكونَ تذاكياً على الآخرين. فتسويغُ الخطأ هو القاتلُ الأخرسُ للقضايا، بينما الإعترافُ بالخطأ هو أسمى درجات النضوج، لأنَّ مَنْ لا يمتلكُ شجاعةَ الإعتراف بالخطأ لدرئه، يبقى ضحيَّتَه مستقبلاً.

إنَّ تقديرَ القُدُرات الذاتية، قياساً على قُوَّة الخصم، مع تحليل المُعطيات الإقليمية والدولية، أساسيٌّ في المواجهات المصيرية، إذْ لم يعدْ سرّاً أنَّ إسرائيلَ دولةٌ نوويةٌ، وقوَّةٌ إقليميةٌ تُوازي قُوَّةَ العرب المُشرذمين مُجتمعين. من هنا، لم تكنْ الحربُ مُجرَّدَ سحابة صيفٍ، تُختصرُ بالإدِّعاءُ بالنصر، لمجرَّد عدم الإستسلام، بل كانت زلزالاً ضرب الحزبَ ولبنان والجوار، ما يستلزمُ عُقوداً للتعافي من كوارثه. واتضحَ أنَّ المطلوبَ بقاءُ السلاح، وما عدا ذلك تفاصيلٌ، على اعتبارٍ أنَّ الدمَ المسفوكَ، والدمارَ الهائلَ أثمانٌ واجبةٌ، لُزومَ المواجهة القدرية، بين العين والمخرز. أما عن مصير الوطن، المُشتَّت الولاءات، فلينتظرْ جمعَ الشمل المُستحيل!

ومع ذلك، لا تستقيمُ المُراجعةُ إن لم تكنْ ثُلاثيةَ الأطراف، بحيث وجبَ استكمالُها، بمراجعتَي لبنان الرسمي، ومُكوِّناته المُجتمعية. لقد قاربت السلطةُ إشكاليةَ سلاح حزب الله، بتبسيطٍ وِفقَ منطقٍ عسكريٍّ، على قاعدة "نفِّذْ، ثمَّ اعترض". فحساباتُ قرارات "حصرية السلاح، بُنيت على سيبةٍ مُثلَّثة القوائم، هي نكبةُ الحزب غداة حربَيّ الإسناد، مُروراً بزوال الظهير السوري، وانتهاءً بالحرب الضارية على إيران. إلى ذلك، يُضافُ انقلابُ الحكم اللُّبناني، وغالبية اللُّبنانيين، ضدَّ الحزب.

والخطأُ الفادحُ تجلّى بتجاهُل الوحدة العُضوية، بين السلاح وحزب اللّه، فكلاهما توأمُ الآخر، وأسمى من أنْ يُطرحَ على "طاولة الصيارفة"، لأنَّه الهويةُ والإنتماءُ وضامنُ مصير الطائفة. أليس "السلاحُ زِينةَ الرجال"، على ما قالَ السيِّد موسى الصدر، كضرورة ردعٍ ودفاعٍ، بانتظار عودة الدولة الغائبة؟

من هنا، يكمنُ المأزق اللُّبناني، في قرار اقتلاع حزب الله من جذوره، ما يتنافى مع الإتساق التاريخي، المُتجذِّر في الوجدان العاملي، بدءاً بإرث "المظلومية"، وبالموقف من قيام لبنان الكبير، وبما لحقَ بالشيعة من شعورٍ بالغبن والحرمان، في كنف الجمهورية اللُّبنانية.. وانتهاءً بالنكبات التي حلَّت بهم، منذ مناصرتهم للكفاح الفلسطيني، قبل أن يتجذَّروا بمُقاومة الإحتلال الإسرائيلي.

فالدولةُ تتحمَّلُ مسؤوليةً كُبرى، نتيجة غيابها المُزمن عن الجنوب، ما دفع العديدَ من المنظّمات المسلَّحة، إلى الإحلال محلّها، لأنَّ "الطبيعةَ تكرهُ الفراغَ". ولا تقتصرُ الغرابة على حلول إيران مكان الدولة، بل في قرابة نصف قرنٍ، من الإستثمار الإيراني في بناء منظومةٍ كاملة الأوصاف، ما يُوازي "دُويلةً"، تَسوسُ وتُعسكِرُ وترعى اجتماعيّاً وتنمويّاً واقتصاديّاً وخدماتيّاً ومصرفيّاً.. ومع تمادي غياب الدولة، تمادى الفسادُ وازدادَ خطبُ ودِّ "الدُويلة"، سعياً لرئاسةٍ أو نيابةٍ أو وِزارةٍ أو مركزٍ..، فكيف للدولة الغائبة والمُغيَّبة، أنْ تقتلعَ هذا الإستثمارَ، بالإنسان وبالأرض وبالحكم، بقراراتٍ ثَبُتَ سرابُها، أمام خضوعها لسفيرٍ أجنبيٍّ، تمرَّدَ على قرار إنهاء مهامه، رُغم أنفها.

بالتوازي، يتحمَّلُ الشعبُ اللُّبنانيُّ، بكلِّ أطيافه، مسؤوليةً كبيرةً، عن تشرذُم مواقف مُكوِّناته، من الجنوب، ربطاً بقضية فلسطين والكيان الإسرائيلي. كما يُؤخذُ على اللُّبنانيين، اعتيادُهم على مُقاربة هزيمة الشريك في الوطن، بالتشفّي والإنتقام، بدل التضامُن وبلسمة الجراح. فـ"الدهرَ يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك"، بدليل ما حصلَ من شماتةٍ، لدى التوارُث بين المارونية السياسية، مُروراً بالسنيَّة السياسية، ووُصولاً إلى الشيعية السياسية.

فالأوطانُ لا تُبنى باستقالة الدولة من مهامها، ولا بولاء مُكوِّناتها للخارج، ولا بثقافة الثأر والضغينة والأحقاد، بل بالتوادُد والتعاضُد، طمعاً بعودة "الإبن الشاطر"، إلى كَنَف الدولة، وبعودة الدولة الضالَّة، إلى حضن الوطن!
*سفير سابق