الاحداث- كتبت روزانا بو منصف في صحيفة النهار:"ساهمت إسرائيل خلال عقود من الحرب بينها وبين "حزب الله" في تقويته، ولو أنها خاضت الحروب، ولا سيما الحربين الأخيرتين اللتين تسبب الحزب بهما، حرب إسناد غزة ثم الثأر لاغتيال المرشد الإيراني السيد علي خامنئي من أجل إضعافه.
كان الانسحاب الإسرائيلي من لبنان من دون شروط عام 2000 إحدى أبرز هذه المساهمات، حتى لو أن الانسحاب حصل لأسباب إسرائيلية وأخرى تتعلق بسوريا وحروب 2006 ثم 2024 وراهنا، ولا يزال يندرج في إطار العنوان نفسه نتيجة عدم إنجاز إسرائيل أهدافها. وهذه ليست دعوة وفق مراقبين ديبلوماسيين لاستكمال إسرائيل الحرب على الحزب، بل هو تأكيد وقائع يصعب دحضها، ولا سيما أنها تدفع لبنان إلى نزع سلاح الحزب بدل أن تقوم هي بذلك، فيما أدت هذه المساهمة الإسرائيلية عملانيا إلى إنهاك الدولة اللبنانية، كنتيجة مباشرة لتقوية الحزب، وأدى تعامل دول الخارج مع لبنان على مدى عقود إلى تعزيز هذا الواقع المتصل بالحزب.
الخشية راهنا لدى هؤلاء أن تدفع إسرائيل في الاتجاه نفسه الذي اعتمدته منذ عقود إذا بقيت على احتلالها للجنوب اللبناني أو إذا أعادت تكراره أو ارتأت رفع سقفها للانسحاب من لبنان وعدم التعامل بواقعية وبعد نظر في المفاوضات المباشرة بينها وبين الدولة اللبنانية. والواقع أن جلّ ما ترغب فيه إيران من لبنان راهنا ليس حربا يشنها الحزب على إسرائيل كما كان يهدد في السابق ولا رفع مساهمته ضدها أكثر مما يقوم به حاليا، أي إطلاق مسيرات زهيدة الثمن قياسا بامتلاك الصواريخ والآلات الحربية المعقدة، بما يكفل صموده كـ"مقاومة" يستعيد وهجها من خلال العمليات التي بات يقوم بها فعلا في القرى التي تحتلها إسرائيل وتصنف على هذا الأساس، وبما يكفل إبقاء جذوة إمساك إيران بالورقة اللبنانية في وجه إسرائيل قائما، ولو كان أسلوب "المقاومة" يشكل تراجعا ملموسا وحادا جدا عن الانفلاش الإقليمي الذي مارسه الحزب مدى سنوات.
ولا يتوهم هؤلاء أن تكون المصلحة اللبنانية في سلّم اهتمامات إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو في شكل خاص، إذ إن السياسات الداخلية هي التي تسيّر غالبا قرارات خارجية كثيرة ومنها الحرب مع الحزب وتدمير لبنان، وهناك انتخابات في إسرائيل بات يريدها نتنياهو مبكرة من أجل ضمان فوزه مجددا. ولكن إذا انهارت المفاوضات أو فشلت يبرز السؤال عن البدائل المتاحة. فلبنان لا يتحمل ترف الذهاب إلى هذا الخيار، أي احتمال الفشل، على رغم ضعف أوراقه في وجه إسرائيل، فيما فشل الدولة اللبنانية والفوضى الذي يمكن أن يستدرجها فشل المفاوضات في سيكون كارثيا بمعايير كثيرة، والأمر نفسه ينسحب على تجيير ملف لبنان إلى إيران.
والحال أن الولايات المتّحدة ملتزمة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب التعاون مع إسرائيل من أجل كبح أنشطة إيران المزعزعة في لبنان، بما في ذلك منع نقل الأسلحة أو أيّ دعم من إيران التي تبحث عن ثمن متعدد الوجه لقاء تجاوبها في ردع الحزب أو إخضاعه لسلطة الدولة اللبنانية. وهنا يبرز السؤال: هل تساهم إسرائيل في إعطاء إيران الاعتراف بدورها الإقليمي عبر أدائها في المفاوضات مع لبنان، ولا سيما بدءا من وقف النار الذي يريده الحزب وإيران، وهو ما يوفر نصرا استراتيجيا مزدوجا لها وللحزب، فيما تسعى الدولة اللبنانية إلى أن يكون وقف النار وتثبيته عبرها هي، فتنزع المبررات من يد الحزب وتحرجه، والبعض يقول إنها تثبت نزع شرعية عمله العسكري كذلك؟
ليس من تفاؤل كبير، بل تفاؤل حذر بمآل المفاوضات يستند فيه أصحابه إلى واقع المتغيرات الكثيرة التي تمنع العودة إلى تكرار التجارب السابقة بين الحزب وإسرائيل، فيما انطلقت مع إدارة دونالد ترامب محاولات للتوصّل إلى ترتيبات أمنية شاملة بين لبنان وإسرائيل على قاعدة تحقيق الاستقرار على طول الحدود ومعالجة المخاوف الأمنية لدى الجانبين، مع تهيئة الظروف اللازمة للتوصّل إلى اتفاق سلام مستقبلي بين البلدين.
فهناك استشراس إيراني لعدم التضحية بالحزب ولا بدوره في لبنان أو بجزء منه، لكن التساهل إزاء ذلك يماثل إلى حد كبير التساهل مع محاولة إيران مقايضة النووي بمضيق هرمز من أجل التعويض، أو كثمن مقابل، فيما تبدو تداعيات ذلك بالغة الخطورة على مستويات عدة إقليميا ودوليا. فالمسار عبر الوسيط أو الراعي الأميركي هي السبيل الوحيد، وقد أظهرت الدول الأوروبية هشاشتها وعجزها ولا سيما في مقاربة إغلاق مضيق هرمز، علما أن الاقتراحات التي سبقت الحرب الأخيرة أو رافقتها، ولا سيما ما سمي اللاورقة الفرنسية في بداية هذه الحرب، كما اقترحات الموفدين الأميركيين السابقين توم براك ومورغان أورتاغوس، لحظت كلها آلية لترتيبات أمنية تقود حكما إلى انسحاب اسرائيلي، إنما عبر التزام لبنان بسط سلطة الدولة وسيادتها وحصرية السلاح، بمعنى أن المسار بات واضحا إلى حد كبير من حيث أهدافه وخطواته، ولو أن الطريق إليه ليس سهلا ودونه عقبات كثيرة.