الاحداث – كتب جورج شاهين في صحيفة الجمهورية:"بمعزل عن مسلسل التسريبات التي رافقت الحديث عن استئناف مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل بنسختها الثالثة الخميس المقبل في وزارة الخارجية بعد محطة البيت الأبيض، لم تعُد السيناريوهات التي تحاكيها فضفاضة، إذ إنّ بعضاً من عناوينها قد بدأت تتبلور. فإلى رفع مستوى التمثيل إلى ما فوق السفيرَين وتنويع أعضاء الوفدَين، يبدو في الأفق عنوان جديد يتحدَّث عن "وقف الحرب" بينهما، توطئة لإلغاء حال العداء لا أكثر ولا أقل في المرحلة الحالية. وهذه بعض المؤشرات.
لا تتجاهل المراجع السياسية والديبلوماسية عند مقاربتها لسَيل المواقف من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل منذ انطلاقتها في واشنطن، النتائج المحتملة لها، من دون عناء التوقف عند مجموعة العقبات التي تواجهها في شكلها وتوقيتها، والظروف التي قادت إليها، وكل ما يحوط بها من عوامل ومؤشرات كانت متوقعة. وإن توغلت في قراءتها، تكتشف عيباً كبيراً عند إجماعها على فقدان أي آلية أخرى، سوى المضي في مسلسل "حروب الإسناد" للخارج، على رغم من التجارب السابقة التي لم يتعلّم منها أحد. ذلك أنّ إخراج وإنقاذ لبنان من المستنقع، اقترب بأن يكون مهمّة مستحيلة، بالنظر إلى ما استجرّته من كوارث لن يستوعب لبنان تداعياتها كاملة، وإحصاء ما انتهت إليه الخسائر المنظورة وغير المنظورة، قبل وقف الحرب وانسحاب قوات الاحتلال وعودة أهالي الأرض إليها لإجراء الجردة الكاملة لما حل بالميدان بالعين المجرَّدة.
على هذه القاعدة، تستند هذه المراجع المحلية والخارجية في توقعاتها الأيام الفاصلة عن "طاولة واشنطن 3" الخميس والجمعة المقبلَين، بعدما انتهت إلى معادلة متأنّية لم تعُد تلحظ الرغبات الجامحة لعقد لقاء أو إجراء اتصال بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بعدما تردَّد أنّ الحديث عن زيارة يقوم بها الأخير إلى واشنطن يوم الاثنين المقبل قد تراجع إلى درجة التشكيك بإمكان حصولها، بحسب ما عبَّر عن ذلك أحد الديبلوماسيِّين الأميركيِّين الذي يشارك في التحضيرات للجلسة الثالثة بالشكل المرتقب إلى ما هو أبعد منه على المستويَين المدني والعسكري.
على المستوى المدني اللبناني، ما بات واضحاً ما كرَّسه حسم تكليف رئيس الجمهورية، السفير سيمون كرم ليكون رئيساً للوفد الذي يضمّ السفيرة ندى حمادة معوّض ونائبها وسام بطرس والملحق العسكري في السفارة اللبنانية في واشنطن العميد زياد بركات، ما لم يشارك إلى جانبهم أحد كبار ضباط الجيش وقد يكون نائب رئيس الأركان للتخطيط العميد جورج صقر. في انتظار الإعلان الرسمي عن هوية المسؤول الإسرائيلي الذي سيكون حاضراً إلى جانب السفير الإسرائيلي في واشنطن يسرائيل ليتير، وقد ينضمّ إليهما السفير الأميركي في تل أبيب مايك هاكابي، إن كان السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى مشاركاً.
أمّا على المستوى العسكري، فقد ثبُت أنّ رئيس الوفد الإسرائيلي سيكون رئيس شعبة الاستراتيجية في الجيش العميد أميخاي ليفين، إثر حصوله على إذن خاص من وزير الدفاع، بعد استبعاد الوزير السابق للشؤون الاستراتيجية رون ديرمر نهائياً عن رئاسة الوفد، إثر خلافه مع نتنياهو منذ استقالته من الحكومة في تشرين الثاني الماضي، اعتراضاً على إدارة "قطاع غزة" وليس لأسباب شخصية.
أمّا على المستوى الأميركي، ما زالت الصورة قيد التدقيق، ذلك أنّ شكلها النهائي رهن القرار بتحديد مستوى وهوية الراعي الأميركي، وهي تنتظر تسمية رئيس الوفد بعد استحالة مشاركة وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي سيكون عضواً في الوفد المرافق للرئيس ترامب في زيارته إلى الصين. وعندها قد يرأس الفريق الأميركي مستشار الوزارة مايكل نيدهام، الذي سبق له أن شارك في أولى لقاءات واشنطن إلى جانب روبيو في 8 آذار الماضي في مقر الوزارة.
وإلى هذه الوقائع الثابتة منها والمرجّحة، فإنّ هناك مَن يتوقّع مفاجأة ما قد تسبق اللقاء الذي يكتسب في جدول أعماله المكثف والمتشعِّب على مدى يومَين، وفي مضمونه المتوقع، انعكاساً لتشكيلة الوفد الجديدة بعد تدعيمه بالمدنيِّين والعسكريِّين من مستويات عالية، ما يؤشر إلى إمكان التوصُّل إلى وقف ثابت للنار ومعه أعمال التجريف والتدمير في القرى الجنوبية قبل موعد اللقاء، كما أصرّ رئيس الجمهورية في اتصالاته مع الجانب الأميركي وأصدقاء للبلدَين، ليعطى للقاء المنتظر أهمّية غير مسبوقة.
على هذه الخلفيات، لا يستبعد الديبلوماسيّون أنفسهم أن تعمد الإدارة الأميركية إلى إعطاء الرئيس عون دفعاً وزخماً ينتظرهما لتجاوز الضغوط الداخلية، ليس من أجل مكاسب ظرفية وآنية، إنما من أجل وقف الحرب، فلا يقتصر الأمر على تمديد موقت تنتهي مفاعيل المرحلة الثانية منه غداة لقاءات واشنطن المقبلة في 17 الجاري. وهو ما يشكّل انطلاقة قوية للمفاوضات المباشرة الأهمّية التي تستحقها الرعاية الترامبية، ووضع حدّ نهائي للرواية التي تشكّك في مصدر اتفاق وقف النار إن جاء من واشنطن أم طهران.
وفي الختام، تنتهي المراجع الديبلوماسية إلى القول، إنّ ما يدعم هذه المؤشرات، يكمن في ما قاله أمس الوزير روبيو، الذي كشف عن رغبة بلاده بـ "أن تكون الحكومة الشرعية في لبنان قوية" وأنّ "حزب الله لم يكن ليوجد من دون إيران"، وأنّه ما زال "عقبة أمام ذلك، ولن نتفاوض معه، وحديثنا مع الحكومة فقط". ومَن يقرأ جيداً في هذا الموقف الأميركي المكشوف، لا يسعه أن ينتظر من الإدارة الأميركية سوى خطوة تلجم العدوانية الإسرائيلية، ليصبّ دعمها في خانة السلطة الشرعية في لبنان، الساعية إلى وقف إعلان نهاية الحرب والاحتلال، توطئة لإلغاء حال العداء، وإنهاء أي ربط بين مسارَي واشنطن وإسلام آباد، في وقت لم تُعقَد بعد فيه "طاولة "إسلام آباد 2".