الاحداث- كتب سركيس نعوم في صحيفة النهار يقول:"هل الخلاف الناشب ومن زمان بين رئيس "التيار الوطني الحر " النائب جبران باسيل وقائد الجيش العماد جوزف عون سببه خيبة أمل الأول ووليّ نعمته في السياسة اللبنانية الرئيس ميشال عون من القائد عون الذي انتهج بعد تسلّمه سلطاته العسكرية خطاً مستقلاً، وحاول قدر الإمكان أن لا يكون والمؤسسة التي يقود أداةً في يد مَن عيّنه من أجل تحقيق مزيد من المكاسب السياسية في البلاد، كما من أجل مساعدة "الوريث" باسيل لخلافة عمّه على رأس الدولة عندما تنتهي ولايته الرئاسية؟ أم أنه خلاف خيارات سياسية بعضها محلّي وبعضها الآخر إقليمي وبعضها الثالث دولي؟ الجواب الذي يقدّمه عن هذه الأسئلة متابعون من قرب لقيادة الجيش وللرئيس السابق للدولة ولحلفائه يشير الى تعدّد أسباب الخلاف وتداخلها وفي الوقت نفسه الى رجحان الجانب المصلحي فيها عند طرفَي الخلاف المذكور، والى أن كلاً منهما يحاول حسمه لمصلحته. لكن تداخل الشخصي والمصلحي والعام في هذا الخلاف يجعل من الصعوبة بمكان نجاح أيّ من طرفيه في إنهائه أو في توظيفه من أجل تحقيق أهدافه السياسية ومصالحه.
فالرئيس السابق عون ورئيس تياره باسيل يعرفان كما يعرف الشعب اللبناني كله أن قائد الجيش عون يطمح الى التربّع على كرسي الرئاسة في قصر بعبدا رغم قوله مرّات عدة في مجالس خاصة إنه ليس في هذا الوارد، ورغم تصرّفه داخل الجيش إنطلاقاً من مصلحة الوطن وحدها رغم اضطراره الى "السير بين النقاط" كما يُقال للنجاح في ذلك في معظم الأوقات، ويعرف الناشطون في العمل السياسي أن لديه فريق عمل متنوّعاً يعمل من دون كلل لمساعدته على تحقيق هدفه. وذلك مشروع إذا كان يتم وفقاً للقوانين والأنظمة وفي مقدمها الدستور. لكنه رغم مشروعيته بدأ يثير التساؤلات عمّا إذا صار الطموح الى قيادة الجيش أو بالأحرى الوصول إليها هو بدايةٌ لتحقيق طموح آخر أكبر هو الوصول الى الرئاسة الأولى، علماً أن طموحاً كهذا يبقى أيضاً مشروعاً إذا لم تُستعمل لتحقيقه وسائل غير قانونية وغير أخلاقية. وهذا أمرٌ لم يمارسه القائد عون بشهادة محبيه وأخصامه كما بشهادة الأطراف السياسيين الذين هم على تماس مباشر معه بحكم مواقعهم وأدوارهم، ولا سيما التي يتداخل فيها السياسي والعسكري. النائب جبران باسيل يعرف بدوره ذلك كله. لهذا السبب فإن عمل الإثنين، أي الرئيس السابق و"الوريث"، يركّز على إفقاد القائد عون صدقيته المالية والقانونية إذا جاز التعبير على هذا النحو بعد العجز عن إفقاده صدقيته الوطنية على تنوّع وجوهها.
في هذا المجال يركّز باسيل المدعوم من عمّه الرئيس السابق على تلطيخ السمعة الأخلاقية لقائد الجيش وعلى تجميع كل ما يساعد من "وثائق" لجعل الرأي العام اللبناني والأطراف السياسيين على تناقضهم يشعرون بالخيبة ويتخلّون عن تأييده للرئاسة. ويركّز أيضاً على وزير الدفاع موريس سليم إبن الجيش لتحقيق هدفين: الأول محاولة عرقلة جهود رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لتأمين نصاب جلسات مجلس الوزراء إذا كان هدفها يتناقض مع الأهداف السياسية الوطنية وتحديداً "المسيحية" التي يتمسّك بها باسيل. أما الهدف الثاني فهو جمع معلومات عن أي نشاط للقائد عون يُمكن استخدامها للمسّ بسمعته العسكرية النظيفة. وإذا كان سليم أخفق مرّات عدة في منع انعقاد جلسات مجلس الوزراء للحؤول دون إقرار بنود لا يوافق عليها باسيل، فإنه على ما يبدو ربما أصبح قريباً من النجاح في تحقيق أمرين: الأول منع ملء الفراغات في المواقع المهمة داخل الجيش ومنها تعيين رئيس الأركان بذريعة قانونية جدّية هي أن اقتراحات كهذه يقدّمها وزير الدفاع لا قائد الجيش بحسب القانون. إلا طبعاً إذا اتفق "الثنائي الشيعي" مع ميقاتي وأطراف سياسيين آخرين على عقد جلسة لمجلس الوزراء لإجراء اللازم في هذا الموضوع، علماً أن اتفاقاً كهذا صعب، إذ إن هناك استحقاقاً هو فراغ حاكمية مصرف لبنان، ولأن الموقف العام وتحديداً موقف "الثنائي" المذكور كان ولا يزال حتى الآن على الأقل عدم الإقدام على تعيينات بالغة الأهمية في ظل الشغور الرئاسي. أما الأمر الثاني فهو ربما تسريب صوَر لاتفاقات رضائية أو نسخ منها أجراها قائد الجيش "خلافاً للقانون" لتأمين حاجات ضرورية جداً للمؤسسة العسكرية في هذه الأيام الصعبة. والهدف من ذلك إظهار القائد عون مخالفاً للقانون وربما الإيحاء بشكوك في نظافته المسلَّم بها، ويُقال إن عددها يفوق العشرين اتفاقاً. والأمر الثاني هو أيضاً عدم التصريح للمؤسسة الرسمية المختصة عن الهبات المالية التي وصلت الى الجيش بواسطته من دول شقيقة وصديقة أبرزها قطر والولايات المتحدة. وهذا أمرٌ يفرضه عليه القانون كونها مالاً عاماً لا خاصاً. لكنه يرفض التصريح عن ذلك لأن الدول الواهبة ومنها قطر تهب الجيش مباشرةً وترفض الدخول في التعقيدات الحكومية وما يشوبها من "هِنات غير هيّنات".
هل يُنفّذ باسيل تهديداته؟ أم أنه يستعملها لإقناع حليفه السابق أي "حزب الله" بعدم قبول وصول القائد عون الى رئاسة الدولة؟ علماً أن الأخير لا يحبّذ ذلك بدوره رغم صلة العمل الجيدة معه على الصعيد العسكري. وهنا يبرز سؤال مهم جداً هو: أيهما أكثر أهمية لباسيل إقصاء جوزف عون عن الرئاسة أم سليمان فرنجية؟ وما بدأ يرشح من معلومات أوّلية يفيد أن إقصاء الأول أولوية عنده وربما يكون أطلع حليفه المذكور أعلاه "السابق" على ذلك.