الاحداث- كتب ابراهيم بيرم في صحيفة النهار يقول:"اكثر من ثمانية أشهر مرت على انفجار الخلاف وظهور التباينات بين طرفَي "تفاهم مار مخايل" "#حزب الله" و"#التيار الوطني الحر"، واكثر من محطة دعمت نظرية ان هذا التباين الواقع آيل الى اتساع دائرته ونقاطه، ومع ذلك فان طرفيه يصرّان على عدم نعيه وطي صفحته وسحبه من قاموس التداول نهائيا على رغم إقرارهما معا، وكلّ بطريقته، بأنه "لم يعد بخير" وفق التعبير الذي استخدمه الرئيس ميشال عون في لقاء جمعه اخيرا مع عدد من زواره.
والمفارقة ان مستقبل هذا التفاهم الموضوع على المحك منذ فترة ليست بالقصيرة والواقف على رجل واحدة كما عبّر رئيس "التيار" جبران باسيل اخيرا وبعد الصدمات التي واجهته والعثرات التي مر بها، استهلك كمّاً وافراً من الكلام والتأويل والتحليل، والحبل لايزال على الجرّار.
واللافت ان صلاحية هذا التفاهم تُستحضر الى دائرة النقاش مع كل طارىء يتصل بالاستحقاق الرئاسي الفارض نفسه انطلاقا من اعتبارين اثنين:
الاول، ان هذا الاستحقاق هو مبعث نشوء الخلاف الحاصل بين الطرفين، وبالتالي هو مبعث الافتراق، بل انه كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر هذا التفاهم واوصلته الى هذا الوضع بحيث بدا معه وكأنه في غرفة العناية الفائقة لا يدري أحد اذا كان قابلاً بعد للحياة، ولا يعرف أحد متى سيخرج من تلك الغرفة.
والثاني، ان هذا الاستحقاق كان سيأخذ حتما مسارا مختلفا فيما لو ظل التفاهم بين هاتين القوتين حيّاً يُرزق.
وبناء عليه، أُعيد القاء الاضواء مجددا على مستقبل هذا التفاهم بعد جلسة الانتخاب الاخيرة، وتحديدا بعدما صار امرا يقينيا ذهاب التيار الى الحد الاقصى في مفارقته لشريك التفاهم على مدى اكثر من 17 عاما بانضمامه الى الائتلاف السياسي الاحدث، والذي تنكّب مهمة تأمين سبل النجاح للمرشح المنافس لمرشح الثنائي، اي الوزير السابق جهاد ازعور.
وكان واضحا ان "التيار البرتقالي" قد بذل جهدا استثنائيا في داخله وخارجه لتأمين مظلة دفاع عن هذا الخيار وإثبات انه خيار واعٍ مبنيّ على اكثر من الرغبة في قطع الطريق على المرشح المنافس. وكأن التيار بهذا الدفاع انما يتعمد الرد على حملة اعتراض واستهجان وتخوين أتته من جانب قاعدة الثنائي ومن ضمنها بطبيعة الحال قاعدة "حزب الله". وهذا ما ولّد انطباعا فحواه ان التيار قد قطع شوطا بعيدا في رحلة الافتراق عن شريكه وحساباته ووضع نفسه على طرف نقيض، خصوصا انه يعلم تماما ماذا يمثل انتخاب فرنجية للحزب وما هي الدوافع التي تملي عليه التمسك حصراً بهذا الاسم.
وما رفع منسوب الشعور بالمرارة عند جمهور الحزب والثنائي مردّه الى ان هذا الجمهور كان لسبب او لآخر يراهن ضمناً على ان باسيل لن يبلغ في افتراقه عن الحزب هذا الحد. أما وقد وقع المحظور وظهرت غالبية اعضاء تكتل "لبنان القوي" ترمي اصواتها في صندوق الاقتراع الذي دار دورة يتيمة الاربعاء الماضي، يصير السؤال المطروح بالحاح: ماذا بعد؟ واستطرادا، هل بلغ هذا التفاهم مرحلة اللاعودة وصار عصيّاً على الترميم؟
تبلور عند بعض الراصدين عن كثب لمسار العلاقة بين هذين الطرفين استنتاجان: الاول ان التيار يظهر بمظهر الاكثر جرأة وتحديا وهو يقارب ملف هذه العلاقة الى درجة انه يذهب الى حال فراق وكأنه يتخفف من عبء اثقل كاهله وكبّل يديه.
لذا يبدو التيار صريحا وهو يساجل الشريك معتبرا ان فعله هو "الاحسن" وانه يسلك سلوك الواثق من نفسه وغير النادم.
واكثر من ذلك، يقدم التيار خطابا جوهره ان الخلاف مع الحزب هو خلاف عميق على مسائل حساسة وجوهرية تتصل ببناء الدولة وتخليصها من قبضة الفساد، وليس على المسائل الاستراتيجية، مقدما البرهان الدائم على ذلك بتأكيده انه لن يجاري الآخرين في رفض المقاومة والنيل من سلاحها وانه ماضٍ قدماً في هذا النهج.
واكثر من ذلك أيضا، ان لدى التيار الجرأة على وصم شريكه بانه "يتبنى خيار المأزوم" عندما يتمسك بمرشح واحد حصري ويقدمه مبلغا كل من يعنيهم الامر: "لا تسألوني عن البديل اذ انني متمسك به حتى الرمق الأخير". ولا شك في ان التيار يعتبر انه لا يريد ان يحشر شريكه بل هو بكّر في تقديم المخارج له عندما دعاه صراحة الى الاتفاق على مرشح آخر (ثالث) للرئاسة و"ان نذهب به معا الى ساحة النجمة".
ولا يكتم التيار في معرض مساجلته للشريك ان يؤكد ان مسار الامور منذ جلسة الانتخاب الاولى الى الجلسة الاخيرة اثبت انه لا يمكن لأحد تجاوز التيار في الانتخابات الرئاسية فهو ممر الزامي لا يمكن تخطيه.
ثم إن الحزب يقارب العلاقة مع التيار من منطلق المربك الوجل والذي في فمه ماء وليس في مقدوره الآن اخراجه او اظهاره. وبمعنى آخر، يبدو الحزب وكأنه قد اتخذ قرارا بتأجيل "المشكل" وهو يبذل جهودا استثنائية لابقاء التفاهم مع التيار قائما بحده الادنى وشروطه الدنيا ولو على قارورة اوكسيجين.
وبناء عليه، تبوح قيادة الحزب بالحد الادنى من الكلام والحد الادنى الضروري من الردود على الاتهامات التي توجَّه اليه من رموز التيار، اذ انه كان قد انقضى اكثر من 24 ساعة على اتهام رئيس التيار باسيل للثنائي بـ"التدخل في الشؤون الداخلية للتيار"، داعيا اياه الى الكف عن هذا الفعل، قبل ان يتولى نائب الحزب حسن فضل الله الرد بكلام موجز فحواه "اننا لم نعتد مثل هذا لا مع الحليف ولا مع الخصم". لذا فان ثمة من يرى ان السلوك المتحفظ للحزب حيال هذا الملف ينطلق من رهان ضمني على يوم تستعاد فيه العلاقة مع التيار عندما تنطوي صفحة الانتخابات الرئاسية.
وعليه ايضا، ما انفك الحزب يتعاطى مع قرار باسيل التصويت لأزعور سيراً مع الائتلاف المساند على انه جنوح ظرفي عارض لان لدى باسيل توجهاً آخر اذا ما ادى ترشيح ازعور الى الغاء ترشيح فرنجية.
ويبقى السؤال: هل سيظل الحزب قادراً على ضبط الخلاف في حدوده الدنيا، خصوصا إذا ما تمادى الفريق الآخر في أدائه؟