Search Icon

واشنطن ترفع سقف الدعم والضغط: هل تدخل العلاقة مع لبنان مرحلة «المساعدات مقابل النتائج»؟

منذ ساعة

سياسة

واشنطن ترفع سقف الدعم والضغط: هل تدخل العلاقة مع لبنان مرحلة «المساعدات مقابل النتائج»؟

الاحداث- كتبت ليلى خوري

لا تبدو التطورات الأميركية الأخيرة المرتبطة بلبنان مجرد خطوات منفصلة، بل تأتي في سياق إعادة رسم العلاقة بين واشنطن وبيروت على قاعدة جديدة عنوانها: الدعم مقابل الأداء.

ففي الوقت الذي يستعد فيه رئيس اللجنة الأمنية والعسكرية المكلفة الإشراف على تنفيذ الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، لمتابعة المرحلة التجريبية، يتقدم في مجلس الشيوخ الأميركي مشروع يحمل اسم «قانون لبنان للعقوبات والاستقرار والدعم»، يتضمن آليات أكثر تشدداً لربط المساعدات الأمنية للبنان بمدى تحقيق الحكومة اللبنانية تقدماً في ملف حصر السلاح بيد الدولة ومواجهة «حزب الله».

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن كليرفيلد ليس مجرد مسؤول عسكري أميركي، بل يترأس آلية مراقبة وقف إطلاق النار والتنسيق المرتبط بالاتفاق بين لبنان وإسرائيل. وقد سبق أن عقد لقاءات مع القيادة العسكرية اللبنانية لبحث الوضع الأمني والتطورات الإقليمية ودور الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة.

من المساعدات المفتوحة إلى المساعدات المشروطة

المؤشر الأبرز في المشروع الأميركي هو الانتقال من مفهوم دعم الجيش اللبناني باعتباره هدفاً بحد ذاته، إلى جعله أداة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية محددة.

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن التعديل S. Amdt. 6507، الذي يحمل اسم «Lebanon Sanctions, Stabilization, and Support Act»، أُدخل في مجلس الشيوخ ضمن سلسلة تعديلات تتعلق بلبنان. كما طُرح في الوقت نفسه تعديل آخر يربط المساعدة الأمنية بإعلان الحكومة اللبنانية عدم قانونية الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله» وتنفيذ الجيش توجيهات الحكومة المتعلقة باحتكار الدولة للقوة ونزع سلاح الحزب.

وهذا يعني أن واشنطن تريد الانتقال إلى معادلة واضحة: كلما تقدمت الدولة اللبنانية في تنفيذ التزاماتها، اتسع هامش الدعم الأميركي؛ وكلما تعثر المسار، ازدادت أدوات الضغط والعقوبات.

ومن هنا تأتي أهمية الأرقام التي يتضمنها المشروع، والتي ترفع قيمة الدعم الأمني المقترح للجيش والقوى الأمنية، إلى جانب تمويل التدريب ومكافحة الإرهاب والمخدرات وإزالة الألغام وإعادة الإعمار.

الجيش اللبناني في قلب المعادلة

يضع المشروع الجيش اللبناني في موقع محوري. فواشنطن، بحسب هذه المقاربة، لا تريد فقط تقديم أسلحة وتمويل للجيش، بل تريد أن يتحول الجيش إلى الذراع الأمنية الأساسية للدولة اللبنانية في مواجهة أي قوة مسلحة خارج المؤسسات الرسمية.

وهذا ينسجم مع المسار الذي تعمل عليه آلية وقف إطلاق النار، إذ سبق أن ركزت اللقاءات الأميركية – اللبنانية على دور الجيش في الانتشار وتعزيز الاستقرار وتنفيذ الالتزامات الأمنية. كما أكدت مصادر أميركية في مراحل سابقة أن دعم الجيش مرتبط بقدرته على تنفيذ مهامه في تعزيز سيادة الدولة.

لكن هذه المعادلة تضع المؤسسة العسكرية أمام تحديات كبيرة. فالجيش قد يحصل على موارد إضافية، لكن في المقابل سيكون مطلوباً منه تنفيذ سياسات أمنية شديدة الحساسية داخلياً، ولا سيما في ملف سلاح «حزب الله».

العقوبات تتحول إلى أداة ضغط موازية

الشق الآخر من المشروع هو العقوبات. فالمقترح لا يكتفي بدعم المؤسسات اللبنانية، بل يوسّع أدوات الضغط على الأشخاص والجهات التي تعتبرها واشنطن داعمة لـ«حزب الله» أو لشبكات تمويل مرتبطة به.

وهنا تظهر استراتيجية أميركية مزدوجة: تقوية الدولة من جهة، وتجفيف مصادر قوة خصومها من جهة أخرى.

ومن شأن هذه السياسة أن ترفع مستوى المخاطر على القطاع المالي اللبناني، خصوصاً إذا توسعت دائرة العقوبات لتطال شبكات مالية وتجارية وأفراداً يعملون داخل لبنان أو خارجه. لذلك فإن انعكاسات المشروع، في حال إقراره، لن تكون عسكرية فقط، بل قد تمتد إلى الاقتصاد والمصارف وحركة الأموال والاستثمارات.

واشنطن لا تفصل الأمن عن الإصلاح

اللافت أيضاً أن المسار الأميركي يربط الملف الأمني بالإصلاحات الاقتصادية والمالية. فالمشروع المقترح يتضمن آليات لإلزام الإدارة الأميركية بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس حول أداء الحكومة اللبنانية، بما في ذلك ملفات مرتبطة بتمويل «حزب الله» والإصلاحات المصرفية.

وهذا يكشف أن واشنطن تتعامل مع الأزمة اللبنانية باعتبارها أزمة سيادة ومؤسسات واقتصاد في آن واحد.

فمن وجهة النظر الأميركية، لا يكفي أن تنتشر القوى الأمنية على الأرض إذا بقيت مصادر التمويل غير الشرعية قادرة على العمل، ولا يكفي إصلاح القطاع المصرفي إذا بقيت الدولة عاجزة عن فرض احتكارها للسلاح.

كليرفيلد والمرحلة التجريبية

في المقابل، فإن عودة كليرفيلد إلى بيروت تكتسب أهمية عملية. فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرة الأطراف على تحويل الاتفاقات والالتزامات إلى إجراءات ميدانية.

وكان كليرفيلد قد شارك في لقاءات مع مسؤولين لبنانيين وأميركيين وإسرائيليين في إطار آليات التنسيق المرتبطة بالوضع في الجنوب. كما أن وجوده على رأس آلية المراقبة يجعل أي زيارة له إلى بيروت ذات دلالة تتجاوز البعد العسكري البحت.

فالاختبار الحقيقي لن يكون في نصوص الاتفاق، بل في كيفية تطبيقها: أين ينتشر الجيش؟ ما هي حدود الانسحاب الإسرائيلي؟ كيف تتم معالجة المناطق التي لا تزال تشهد توتراً؟ وكيف ستتعامل الدولة اللبنانية مع ملف السلاح؟

لبنان أمام معادلة صعبة

المعادلة الجديدة تضع الحكومة اللبنانية أمام خيار شديد التعقيد.

من جهة، يحتاج لبنان إلى الدعم الأميركي والدولي للجيش وإعادة الإعمار وإنقاذ اقتصاده وتعزيز مؤسساته.

ومن جهة أخرى، فإن ربط هذا الدعم بملف نزع سلاح «حزب الله» يعني أن أي تقدم في المسار الأمني سيحمل تداعيات سياسية داخلية كبيرة.

وقد ظهر حجم الانقسام حول الاتفاق بالفعل، إذ وصف رئيس مجلس النواب نبيه بري الاتفاق الثلاثي بأنه لا يحفظ حقوق لبنان، فيما رفض «حزب الله» المسار المرتبط بنزع سلاحه.

وبالتالي، فإن واشنطن لا تضغط على بيروت من الخارج فقط، بل تضع أمامها اختباراً داخلياً يتعلق بقدرة الدولة على فرض قراراتها من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.

دعم للجيش أم إعادة صياغة للدولة؟

إذا أُقر المشروع بصيغته الحالية، فإن أهميته لن تكمن فقط في قيمة الأموال المخصصة للجيش والقوى الأمنية، بل في الفلسفة التي تحكم هذه المساعدات.

واشنطن تقول عملياً إن الدعم لن يكون شيكاً مفتوحاً، بل سيكون مرتبطاً بمؤشرات أداء سياسية وأمنية واضحة.

وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال العلاقة الأميركية – اللبنانية من سياسة «مساعدة الجيش» إلى سياسة «إعادة بناء الدولة الأمنية والسياسية مقابل دعم أميركي».

أما السؤال الأكثر حساسية، فهو ما إذا كان لبنان سيتمكن من استخدام هذا الدعم لتعزيز مؤسسات الدولة وسيادتها، أم أن الشروط المرتبطة به ستفتح مواجهة داخلية جديدة حول سلاح «حزب الله» وحدود القرار السيادي اللبناني.

وفي كلتا الحالتين، يبدو أن زيارة كليرفيلد والمشروع المطروح في الكونغرس يشكلان وجهين لمسار واحد: واشنطن تريد أن ترى نتائج على الأرض، وليس مجرد تعهدات سياسية.