Search Icon

“صيفٌ يعود كل عام… وعدالةٌ لا تأتي!

منذ 46 دقيقة

أقلام حرة

“صيفٌ يعود كل عام… وعدالةٌ لا تأتي!

الاحداث- كتبت جوزفين حبشي

"والتلج إجا وراح التلج… عشرين مرة إجا وراح التلج، وأنا صرت إكبر، وشادي بعده صغير، عم يلعب عالتلج…”

منذ كنت صغيرة، علّمتني فيروز  أن أعتل همّ ذلك الطفل الذي غاب على أطراف الوادي وراء الثلج. ولكنني كنت مطمئنة لأنني كنت أظن أن “شادي” مجرد أغنية للأطفال، وأن أغاني الأطفال لا تنتهي إلا بنهايات سعيدة مع عودة البطل. كنت أؤمن أن شادي سيعود في آخر الأغنية، ضاحكا، مبللاً بالثلج ويحمل حفنة من الشمس.
لكن في بيروت، هناك أطفال لا يعودون.
هناك صيف إجا وراح. ست مرات إجا وراح الصيف، ونحن كبرنا… كبرنا همّا ووجعا وخيبة. وحدهم الياس والكسندرا  ومئات الضحايا لم يكبروا.

الياس لا يزال ذلك الفتى الذي كان يفترض أن يذهب إلى المخيم الصيفي مع أصدقائه. لكنه ذهب إلى مخيمٍ آخر… لا عودة منه. بقيت حقيبته أخفّ من أن تحمل أحلامه، وأثقل من أن يحتملها قلب أمّه.
والكسندرا… كان ينبغي أن تدخل الروضة، أن تتعلم الحروف، أن ترسم شمسا وبيتا وشجرة. لكن حديقة طفولتها تحولت، في لحظة، إلى نار وركام. ومنذ ذلك اليوم، صار اسمها يُذكر كلما ذُكر الأطفال الذين لم يمنحهم هذا البلد فرصة أن يكبروا.

وهناك جيسي. جيسي التي خسرت رمز  حبها ،زوجها وشريك عمرها  غدراً قبل ثمانية عشر عاما.  جيسي التي كان الغدر لها بالمرصاد مجددا في ٤ آب ٢٠٢٠ ، حيث فقدت حضن أم  كانت تلجأ اليه لتخفف حزنها . ومن بعدها لمن ستنادي:"آآآخ يا أمي"؟

وهناك أم حمد عطار.ست سنوات وهي تسأل، وتفتش، وتنتظر. ست سنوات وهي تنادي: "ابني حلو ومليح وعيونه عسلية… صرلي وقت عم صيح، يا أمي وما رد عليّي.”
أي وطنٍ هذا، حين يصبح وجع الأم أغنية، لأن العدالة لم تسمع صوتها؟

ست سنوات، ولا تزال أم تبحث عن ابنها، وابنة عن أمها، وأطفال يبحثون في ذاكرتنا عن صيف لم يحترق. ست سنوات، ولا تزال مدينة كاملة تحاول أن تفهم كيف استطاعت ثوان معدودة أن تسرق مستقبل آلاف البشر.

الرابع من آب ليس ذكرى انفجار فحسب. إنه ذكرى أعمار توقفت. ومقاعد بقيت فارغة. وألعاب لم تُجمع. ورسائل لم تُكتب.واحلام لم تتحقق. وأمهات ما زلن يفتحن الباب عند كل صوت، كأن الغائب قد يعود.
لكن شادي … لن يعود.
وحده الصيف سيعود مرة سابعة…
وثامنة… وعشرين.
سنكبر نحن.أما هم، فسيبقون كما تركهم التفجير .
سيبقى الياس فتى بابتسامة "وِسع الدني"، لن يكبر، ولن يسافر، ولن يكتشف العالم.
وستبقى الكسندرا طفلة لن تدخل المدرسة، ولن تتخرج من الجامعة، ولن ترتدي يوما فستانها الأبيض والطرحة المطرزة.
وستحمل والدة جيسي تماما مثل رمزي لقب الملاك الحارس من فوق ،لزوجة وابنة وأم اعتادت أن تتفجّر حياتها مرارا وتكرارا.  
وسيظل حمد، في عيني أمّه، “حلو ومليح وعيونه عسلية”. ترى… هل لا تزال عيناه عسليتين؟
سيأتي الصيف مرةً سابعة… وثامنة… وعشرون. وسيكبر الجميع. إلا الحقيقة… ستبقى واقفة عند الرابع من آب، تنتظر عدالة لم تصل بعد.