الاحداث- كتبت سلوى بعلبكي في صحيفة النهار تقول:"تتجه الأنظار الى #باريس في الرابع من تموز المقبل حيث حدّدت محكمة الاستئناف فيها هذا التاريخ موعداً لصدور قرارها بشأن قانونية عملية الحجز على أصول عقارية وأموال لحاكم #مصرف لبنان #رياض سلامة في أوروبا، إذ تقدر قيمة الاموال المحجوزة لغاية اليوم بنحو 120 مليون يورو، بالإضافة الى أموال لا تزال تدور الشبهات حول عدم شرعيتها ويقدّرها القضاء الفرنسي بمبلغ 330 مليون يورو.
توازياً، تدرس غرفة التحقيق في محكمة الاستئناف في باريس طلبات إبطال تقدم بها فريق الدفاع عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة حول أكثر من 10 عمليات حجز قامت بها فرنسا على أصول وممتلكات في العاصمة وأخرى في بريطانيا وبلجيكا، وحسابات مصرفية. وبعد تأجيل الجلسة التي كانت مقررة في 4 نيسان الماضي الى الثلاثاء 23 أيار 2023 بناءً على طلب ممثل الدولة اللبنانية المحامي إيمانويل داوود الذي طلب تأجيل انعقاد الجلسة لكي يتسنّى له الاطلاع على الملف وتقديم مذكرة خطية، طلبت النيابة العامة تأكيد عمليات الحجز على عقارات سلامة وأمواله. وبعد نزاع بين وزير العدل ورئيس مجلس الوزراء، وافق مجلس الوزراء في 13 الجاري على توكيل المحاميين للدفاع عن حقوق الدولة اللبنانية في فرنسا.
ولكن الحاكم سلامة الذي ينفي باستمرار الاتهامات الموجهة إليه، واضعاً ملاحقته في سياق عملية سياسية وإعلامية "لتشويه" صورته، يؤكد أنه جمع ثروته من عمله السابق طيلة عقدين في مؤسسة "ميريل لينش" المالية العالمية ومن استثمارات في مجالات عدة. ووفق المعلومات التي توافرت لـ"النهار" فإن "الحاكم طلب من القاضية الفرنسية أود بوريزي عبر محاميه أن ترفع دعوى عليه رسمياً، إلا أن القاضية الفرنسية تتلكأ في ذلك خوفاً من أن يقوم سلامة بمخاصمتها في القضاء الفرنسي وتالياً من إطلاع الحاكم ومحاميه والقضاء اللبناني على الملف كاملاً، بما سيثبت أنها (أي الدعوى) لا تستند إلى أي معطيات جدّية، وأن القضية لا تعدو كونها عملية استدعاء الى فرنسا عبر الانتربول للتشهير به. فالملف وفق ما تؤكد المعلومات "تافه وفارغ"، والحاكم لديه كل الدفوع الشكلية، خصوصاً أن كل ما يقوم به قانوني بدليل أن المديرين في مصرف لبنان ووزراء المال في الحكومات المتعاقبة وقعوا على كل قراراته، وتالياً ليس ثمة أي مستند غير قانوني". وأكثر، تؤكد المعلومات أن الحاكم ينتظر 4 تموز، ليصار الى فك الحجز عن ممتلكاته وأمواله لاقتناعه بأنه لا مشكلة قانونية تستدعي الحجز".
ولكن ما مصير أموال سلامة إذا ثبّتت المحكمة قرار الحجز؟ تؤكد مصادر قانونية أن الدولة الفرنسية قد توافق على تحويل المال العام للدولة اللبنانية بغية استخدامها لغايات تتعلق بتعويض الشعب اللبناني المُتأثر بالأزمة الاقتصادية وبقضايا الفساد. في المقابل نقلت وسائل إعلام فرنسية خشية النيابة العامة أن تحرم فرنسا من "كل مجال للمصادرة" في حال إدانة القضاء الفرنسي لسلامة. ولكن لماذا هذه الخشية؟ وما أسبابها القانونية؟ ولمن ستعود الاموال المحجوزة والمصادرة، لفرنسا أم للبنان؟
المحامية الدكتورة جوديت التيني تؤكد لـ"النهار" أن "مبدأ إعادة الأموال الى بلدانها الأصلية يكرّس في 3 قرارات متتالية للجمعية العامة للأمم المتحدة هي: القرار رقم 55/188 تاريخ 20/12/2000 والقرار رقم 56/186 تاريخ 21/12/2001، والقرار 57/244 تاريخ 20/12/2002. وقد أعقبت هذه القرارات اتفاق الامم المتحدة لمكافحة الفساد التي دخلت حيز التنفيذ على الصعيد الدولي بتاريخ 29/9/2003، وهو أول صك دولي ملزم في مكافحة الفساد وإعادة الأموال الناتجة عنه الى بلدانها الأصلية لأن الأولوية في كسب هذه الأموال والتمتع بها تعود لهذه الشعوب. ومنذ دخولها حيز التنفيذ، أنجز سنداً الى هذا الاتفاق أكثر من 70% من الأعمال المتعلقة بإعادة الأموال على الصعيد العالمي، وسنداً إليه أعيدت أموال الى مصر وتونس وليبيا". و"تطبيقاً لأحكام هذا الاتفاق الدولي يسمح القانون الفرنسي بإعادة الأموال وعائداتها الى بلدانها الأصلية من خلال طلب البلد الأصلي للمساعدة القضائية من السلطات الفرنسية (الامر غير الحاصل عملياً اليوم من الدولة اللبنانية)، أو من خلال التدخل كفريق مدني في الدعاوى الجزائية المَسوقة أصلاً (وهذا ما يجري اليوم) أو عبر إقامة دعاوى مدنية لدى المحاكم الفرنسية لإثبات الحق في هذه الأموال، وهذا "أمر وارد" برأي التيني.
ولكن إعادة الأموال تأتي بعد إدانة الاشخاص بصورة نهائية على أفعالهم من القضاء الفرنسي الذي يقرر الحجز والمصادرة والإعادة، وحدود ذلك لمصلحة البلد الأصلي وبعد قيام المحامين الموكلين بتمثيل الدولة.
فهل ستعود الأموال الى لبنان وتلقائياً لنفس الطبقة السياسية فيما الشعب اللبناني يخشى أن تستعمل هذه الطبقة الأموال لتعيد تعويم نفسها؟ تقول التيني "قبل صدور القانون الفرنسي رقم 1031-2021 تاريخ 4 آب 2021، وإن لم تحسن الدولة الأصلية المطالبة بحقوقها، كانت الأموال التي يصادرها القضاء الفرنسي تعود حصراً الى الدولة الفرنسية، وتدخل في صلب الموازنة العامة للدولة الفرنسية فتذوب فيها كما سائر الواردات ولتغطية الإنفاق العام للدولة الفرنسية. غير أن ثمة نقطة تحوّل مهمة حصلت مع صدور القانون الجديد رقم 1031-2021 - قانون برمجة بشأن تنمية التضامن ومكافحة التفاوتات العالمية Loi de programmation relative au développement solidaire et à la lutte contre les inegalités mondiales، القانون أقر بعد تلقي القضاء الفرنسي في السنوات العشر الأخيرة شكاوى عدة من هيئات المجتمع المدني وموضوعها أفعال الفساد وتبييض الأموال والاختلاس المرتكبة من مسؤولين كبار في دول أفريقية ومقرّبين منهم وقد بدأت هذه الأفعال في بلدانهم الاصلية ووصلت الى فرنسا".
وضع القانون الجديد لسنة 2021 آلية جديدة لإعادة الأموال الى بلدانها الأصلية بعد صدور قرار بمصادرتها من القضاء الفرنسي، وبموجبه يفتح باب في الموازنة العامة السنوية للدولة الفرنسية لدعم مشاريع تنموية في هذه البلدان، وهكذا تقول التيني "تعود الأموال المكتسبة بصورة غير مشروعة biens mal acquis الى الشعوب التي سُلبت وحرمت منها من خلال مشاريع تنمية وتعاون ومن بعد الاتفاق مع الدولة صاحبة المال بصورة أصلية".
وتضيف "يخضع فتح اعتمادات في الموازنة ضمن باب "المساعدة الإنمائية الرسمية "Aide publique du développement، لوزارة الخارجية الفرنسية، في سبيل تمويل مشاريع التعاون والتنمية على أن تتقيّد بمبادئ الشفافية والمساءلة، ومع إعطاء دور لمنظمات المجتمع المدني. وتحدّد وزارة الخارجية الشروط الخاصة برد العائدات ضمن هدف تحسين الظروف المعيشية للشعوب، وفقاً لما جاء في البند 11 من المادة 2 من هذا القانون. وإذا أردنا الاختصار تخضع آلية إعادة الأموال المكتسبة بصورة غير مشروعة وفقاً لأحكام هذا القانون للمراحل التالية: 1-المصادرة النهائية 2-بيع الأموال 3-فتح الاعتمادات في الموازنة العامة 4-الاتفاق مع الدولة المعنية بهذه الأموال 5-منح الأموال بصورة هبات لا قروض 6-المتابعة والتقييم".
إن كانت فرنسا من جهتها ستطبق قانونها المذكور، فهل سيقبل لبنان بتطبيق هذا القانون عليه أم سيدفع باتجاه تطبيق قوانينه الداخلية ولا سيما القانون 214 تاريخ 8/4/2021 استعادة الأموال المتأتية عن جرائم الفساد، إذ ينشأ بموجب هذا القانون الصندوق الوطني لإدارة واستثمار الأموال قيد الاستعادة أو المستعادة ويتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلالين المالي والإداري ويُنظَّم هذا الصندوق ونظام حوكمته بما يتلاءم مع "مبادئ سنتياغو" بشأن صناديق الثروة السيادية. ولكن ثمة عوائق أمام تطبيق هذا القانون تتمثل وفق ما تقول التيني بـ"عدم صدور مراسيم تطبيق هذا القانون التي لا بد من أن تتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزيري المال والعدل، ولا سيما ما يتعلق بتنظيم الصندوق الوطني لإدارة واستثمار الأموال قيد الاستعادة أو المستعادة ونظام حوكمته".