الاحداث- في السباق المحتدم بين مناصري التمديد للحاكم رياض سلامة وهم شريحة غير قليلة من اركان المنظومة السياسية الشريكة في السياسة النقدية ومنافعها ومكاسبها، وبين الرافضين لهذا الخيار والداعمين لتسلم النائب الأول للحاكم وسيم منصوري صلاحيات الحاكمية، تتقدم حظوظ الخيار الأخير نظراً الى كونه الخيار المدعوم من "حزب الله"، فيما ستكون الأيام القليلة المقبلة فاصلة لجهة حسم قرار نواب الحاكم بالاستقالة بعد تهديدهم السلطتين التشريعية والتنفيذية مرتين، الأولى عندما اصدروا بيانهم الشهير الداعي الى تعيين حاكم جديد، والثانية عندما "اخرجوا ارنبا" سمّوه خطة واشترطوا ألا يتحملوا مسؤولياتهم بعد خروج الحاكم من المصرف المركزي إلا اذا التزم المجلس النيابي وحكومة تصريف الاعمال تنفيذ مندرجاتها.
بحسب المعلومات، باتت استقالة نواب الحاكم محسومة، كما بات محسومًا عدم قبولها والطلب الى هؤلاء الاستمرار في تسيير المرفق العام حتى انتظام الوضع الدستوري في لبنان لجهة انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة كاملة الصلاحيات.
لم تكن الخطة التي قدمها نواب الحاكم إلا الذريعة المقنَّعة - بالنسبة اليهم - لتبرير الاستقالة وعدم تحمّل مسؤولية الانهيار المقبل على البلد، والذي حذّر منه كل من البنك وصندوق النقد الدوليين. فمرحلة الهدوء السائدة حالياً لا تعدو كونها ظرفية مستمدة مقوماتها من موسم سياحي ناشط وتدفقات مالية وفّرها المغتربون، لكنها لن تلبث ان تنتهي مع عودة المغتربين الى ديارهم وتكشّف حجم الازمة، خصوصاً اذا ما تم إقرار مشروع قانون موازنة 2023 بالسلة الضريبية المقترحة.
وعليه، يُطرح السؤال: لماذا انبرى نواب الحاكم الى طرح خطة يدركون تماما استحالة تطبيقها، بقطع النظر عن صحتها، ولماذا ربطوا وضعهم الوظيفي بها، بحيث سيتحولون الى تصريف الاعمال، تماما كما هي حال الحكومة المستقيلة، وهل يكفي القول ان السبب يقتصر فقط على عدم الرغبة في تحمل المسؤولية او ان ثمة من دفع النواب الى خطوة كهذه من شأنها ان تقضي على آخر المؤسسات العاملة في البلد، وتدفع نحو الانهيار الشامل؟ علما ان مناصري التمديد لسلامة لم يفوتوا فرصة الفوضى لاستغلالها من خلال التهويل بأن سوق القطع ستفلت من كل سيطرة وان الدولار سيتجاوز كل السقوف.
كثيرة هي علامات الاستفهام التي ستتحكم بالمشهد في الأيام القليلة الفاصلة عن موعد انتهائها ولاية سلامة. وحتما لن تكون الأوضاع بعد الحادي والثلاثين من تموز الجاري كما قبله. لكن المفارقة ان هذه الأوضاع، اذا أُحسِنت إدارة الازمة، يمكن ان تكون افضل وليس أسوأ لاسباب عديدة، أولها ان الخطة المقدمة من نواب الحاكم ليست إلا عصارة مختصرة لما يطلبه صندوق النقد الدولي، والذي كانت السلطات الثلاث في البلاد قد وقّعت التزاما خطيا بتنفيذ الاتفاق معه والإجراءات المسبقة التي يشترطها. وبالتالي، لم تحمل الخطة امرا مفاجئا، حتى في ما يتصل بمسألة تعويم العملة، والتي كان سلامة من خلال توحيد سعر الصرف، يحضّر البنية التحتية لها، او حتى بمسألة الغاء منصة صيرفة التي تبين انها لا تخدم إلا مصالح المصارف بغية إطفاء خسائرها، وحفنة من المضاربين او المستفيدين. حرص سلامة على عدم صرف دولار واحد مما تبقّى من الاحتياط الأجنبي، تاركا مسألة هدره على عاتق السلطة السياسية التي اشترط نواب الحاكم أن تتحمل هي مسؤولية التصرف بالاحتياط.
يدرك نواب الحاكم ان الخطة لا يمكن ان تلقى قبولا من النواب، لسبب بسيط جدا هو ان المجلس لم يسر بالإجراءات المقترحة عندما تم تقديمها ضمن الإجراءات المسبقة الموقعة مع الصندوق. فلا مشروع قانون "الكابيتال كونترول" رأى النور، ولا قانون الانتظام المالي، ولا مشروع إعادة هيكلة القطاع المصرفي او توحيد سعر الصرف وصولا الى تحريره، ما يعني ان لا اجماع بعد على هذه الإجراءات رغم الالتزام الرسمي بها.
وعليه، تبدو الصورة قاتمة حيال ما ستحمله المرحلة المقبلة ليس على مستوى المشهد السياسي المأزوم، وانما على المستوى المالي والنقدي، سيما مع بدء تكشّف النيّات الرسمية في مشروع موازنة 2023 !