الاحداث- كتبت منال شعيا في صحيفة النهار تقول:"حتى الهواء بات يصعب على اللبنانيين تنشّقه. لقد اقتربنا كثيراً من التداعيات الخطيرة التي تضر بصحتنا وبيئتنا. هذه الخلاصة باتت مدعّمة بأكثر من دراسة وتقرير. فقبل نحو شهر، احتلت بيروت المرتبة الأخيرة عربياً في نوعية الحياة. وفي آخر دراسة محدّثة عن نوعية الهواء، والتي أعدتها النائبة نجاة عون، أظهرت أن نسبة التلوّث في بيروت زادت 50 في المئة.
كل هذه الاعتبارات تضع لبنان في أدنى مراتب سلّم الحياة ونوعيتها. أما الخطورة في كل ذلك، ما كشفه وزير الصحة #فراس الأبيض أخيراً بأن "لبنان يقترب من احتلال الرقم واحد في العالم في الإصابة بأورام المثانة التي ترتبط بشكل أساسي بموضوع الدخان".
وتدارك: "لا شك أننا مقبلون على مستقبل صعب بما يتعلق بالسرطان، بعدما بيّنت سرطانات الثدي والبروستات والرئة أنها من الأنواع الأكثر انتشاراً في لبنان، مع تسجيل أعلى نسبة وفيات في سرطان الرئة".
الخطورة الكبرى في كل ذلك، ليست مجرد كلام المسؤولين والمعنيين، بل عدم تحركهم من خلال خطة مواجهة تقي المواطنين مزيداً من الأمراض والكوارث. وبعد، لا خطة مواجهة رسمية، بل مزيد من السياسات الخاطئة. إذ لا يعقل وسط هذه الأرقام المخيفة والوقائع، أن يعمد أحد الوزراء إلى طلب تعديل مرسوم مرتبط مباشرة بالصحة والبيئة.
حقيقة هذا الواقع، ما أقدم عليه وزير الصناعة جورج بوشيكيان أخيراً، بتوجيه كتاب إلى الحكومة يطلب فيه تغيير مرسوم تنظيم المقالع وال#كسارات.
"النهار" اطّلعت على الكتاب، الذي أتى من دون رقم وتاريخ، (نسخة مرفقة منه)، ويهدف إلى تغيير المرسوم الرقم 8803 الذي يعتبره البيئيون "ضمانة اخضرار لبنان"، لكونه ينص على ضرورة ابتعاد المقالع عن المنازل إلى 1500 متر. وببساطة، وبشحطة قلم، يطلب بوشيكيان، بخطوة منفردة، أن يكون ابتعاد المقالع 200 متر عن المنازل فقط!
وسريعاً، تحرك "تجمع الناشطين البيئيين في الكورة". ففُهم أن طلب تغيير المرسوم يلبي مصالح مقالع شركات الترابة.
ثلاث شوائب
من حيث الشكل والمضمون، فإن في كتاب بوشيكيان ثلاث شوائب.
الشائبة الأولى، أن ما يطلبه وزير الصناعة في كتابه، لا يعتبر تعديلاً للمرسوم، إنما تغيير له، بهدف تلبية مصالح شركات الترابة التي تقوم النيابة العامة المالية حالياً بالتحقيق في طمر كميات ضخمة من النفايات الصناعية الخطيرة في الوديان وفوق المياه الجوفية. معنى ذلك، أن في الكتاب تعدياً واضحاً على القانون والتفافاً عليه، لاسيما أن ثمة ادّعاءً أمام النيابة العامة المالية والبيئية على هذه الشركات ما يمنع إعطاءها تراخيص قانونية خاصة.
الشائبة الثانية، في كتاب وزير الصناعة، الذي اتى من دون رقم وتاريخ، كما تبرز النسخة، يعتبر تعدياً على صلاحيات وزير البيئة ووزارة البيئة حصراً، والتي تعتبر الجهة المخوّلة إجراء أي تعديل على المرسوم أو عدمه.
الشائبة الثالثة، أن مقالع هذه الشركات متهرّبة من دفع مبالغ ضخمة من الرسوم البلدية والمالية. إن نص الادّعاء أمام النيابة العامة يبرز ذلك.
كل هذه الشوائب مرت مرور الكرام، لدى وزير الصناعة. وباتت اليوم بعهدة مجلس الوزراء مجتمعاً، فأي خطوة يمكن أن تُتّخذ؟
يعلق الناطق الرسمي باسم "تجمع الناشطين البيئيين في الكورة" جورج قسطنطين العيناتي، أن "شركات الترابة تقوم بتسميم أجواء بلدة #شكا بكميات هائلة من غبار الكلينكر القاتل المسبب لسرطانات الرئتين والمعدة والقولون ولمرض الرئة الانسدادي المزمن".
ببساطة، هي جريمة موصوفة، بيئياً وصحياً. ومن المفارقات أن الأرقام الخطيرة حول ارتفاع أعداد مرضى السرطان في لبنان وزيادة نسبة تلوث الهواء لم تدفع المعنيين والوزراء إلى التحرك سريعاً، بل بالعكس تماماً، لقد وضع أمامهم، وسريعاً أيضاً، كتاب بوشيكيان المخالف للقانون!
شركات الترابة
من المعلوم أن قصة شركات الترابة والمقالع طويلة وقديمة. ولا يزال أهل شكا والكورة والشمال يدقّون ناقوس الخطر، بلا جدوى. هم سلكوا المسار القضائي وتقديم الشكاوى. نظّموا اعتصامات متكررة. عقدوا ندوات لشرح الأخطار والكوارث. وجالوا على المعنيين لشرح التداعيات. وحتى الساعة، لا جدوى! بل لا تزال لغة "الصناعة المخالفة" أقوى من لغة البيئة والصحة.
وأخيراً، هم يصفون ما جرى "بالتآمر على المرسوم 8803 لتدمير لبنان أكثر".
يعتبر العيناتي أن "خطوة بوشيكيان تسعى إلى محاولات إعادة عمل مقالع شركات الترابة هذه، والتي هي أصلاً خارجة على كل القوانين. إن المرسوم واضح في نصه وهو يمنع وجود مقالع ومصانع قرب بيوت الناس وقراهم، ليسمح على بعد 200 متر فقط من البيوت وليشرّع عمل المقالع التي هي أصلاً خارجة عن خريطة المخطط التوجيهي للمقالع والكسارات".
يبقى أن "لجنة كفرحزير البيئية" اعتبرت أن "ما قام به بوشيكيان يشكل إخباراً للنيابة العامة المالية بهدر مال الشعب وأموال الوزارات والبلديات والإدارات العامة التي تستخدم الإسمنت، لاسيما أن وزير الصناعة عمد إلى رفع ثمن طن الإسمنت بشكل كبير ليصل إلى أكثر من 78 دولاراً، مخالفاً بذلك قرار مجلس الوزراء السابق والصادر في 7-7- 2020 وحمل الرقم 18 بفارق في السعر كبير جداً".
هكذا، ينطوي كتاب بوشيكيان على جملة مخالفات، قانونية ومالية وبيئية... والأهم أن فيه أضراراً صحية جسيمة ستزيد حتماً من أعداد مرضى السرطان في لبنان ونسب تلوث الهواء! وما من مجيب.
والأغرب، أن في زمن تلحّ السلطة على ضرورة جباية الأموال والضرائب، للخروج من نفق الأزمة المالية وشح الأموال، ها هي تغفل النظر عن أهم "مرفق" يمكن ان نستحصل من خلاله على الرسوم والضرائب. إنه مرفق المقالع والكسارات. وهذا الأمر برسم وزير المالية أولاً والحكومة مجتمعة!