الاحداث- كتب ابراهيم حيدر في صحيفة النهار يقول:"يستمر التعطيل السياسي للاستحقاقات في ظل الفراغ وتصريف الأعمال مع ظهور مزيد من الاستعصاءات الداخلية وأزمات تحاكي التطورات المرتبطة بملف النازحين السوريين والوضع الجنوبي المتوتر. وفي انتظار عودة المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى لبنان وسط خلافات حول دعوته إلى الحوار، ينعقد اجتماع دول باريس الخمس في #الدوحة على مستوى دبلوماسي للبحث في الشأن الرئاسي، من دون أن تكون هناك رهانات على إمكان أن يحقق تقدماً بفعل الاختلافات في وجهات النظر بين الدول المشاركة خصوصاً بعد أكثر من خمسة أشهر على اجتماع باريس الذي شهد خلافاً حول المقايضة الفرنسية في غياب رافعة إقليمية ودولية قادرة على ممارسة ضغوط على الأطراف اللبنانيين للخروج بحل متوازن للملفات الخلافية.
وإذا كان من المبكر إطلاق حكم نهائي على اجتماع الدوحة أو نعيه، إلا أن الوقائع تشير وفق مصدر دبلوماسي إلى أن الصيغة التي تعمل بها الدول الخمس لم تعد قادرة على إحداث خرق في الستاتيكو اللبناني المستمر على حاله، حيث فشل الخارج حتى الآن في تفكيك الاستعصاءات وحل الأزمة، لا في الدعوة إلى الحوار أو ممارسة ضغوط تعيد ترتيب الأولويات اللبنانية. ووسط اشتداد الصراع الداخلي بين القوى اللبنانية، بفعل التمترس حول خيارات متناقضة وشروط ترتفع يوماً بعد يوم، أبرزها تمسك "#حزب الله" بمرشحه سليمان فرنجية للرئاسة وكإسم للحوار حوله من دون مواربة، بدأت قوى لبنانية خصوصاً مسيحية تشكك في الوساطة الفرنسية وقدرتها على تحقيق توازن في أي تسوية محتملة إن كان عبر الحوار أو غيره، وما إذا كانت باريس فعلاً تخلت عن المقايضة التي طرحتها مع سليمان فرنجية رئيساً، خصوصاً بعد كلام السفيرة الفرنسية آن غريو خلال احتفال السفارة الأخير في بيروت، ما يضع مهمة لودريان في طريق مسدود. ويظهر على المستوى اللبناني أن "حزب الله" يستدرج كل الأفرقاء في الداخل والخارج إلى ملعبه للبحث في الاستحقاقات الأساسية للبنان، وهو يعلم أن مهمة لودريان تواجه معوقات، على الرغم من دعوته الجميع للحوار، وكأنه بذلك يتبنى موقف "الثنائي الشيعي" وإن كان يختلف معه في جدول الأعمال.
وإذا كان بعض اللبنانيين يراهنون على دور تؤديه دول باريس الخمس، وأن يخرج اجتماع الدوحة بمقاربة جديدة تدفع التسوية إلى الأمام، إلا أن الأجواء تشير الى استمرار الخلاف حول مقاربة الاستحقاقات اللبنانية. فالخارج حتى الآن لم يبلور وجهة حاسمة للبنان، كما كان يحدث في السابق، إذ لا الولايات المتحدة مهتمة ببلورة صيغة تسمح بإعادة ترتيب البيت اللبناني، فتركز على مسألة الحدود اللبنانية- الإسرائيلية، وهذا ما تظهره جولة المستشار الرئاسي الأميركي آموس هوكشتاين وما ينقل عن أنه سيشارك في احتفال بدء الحفر في المنطقة البحرية اللبنانية في آب المقبل، فيما تستمر السعودية بإعلان حيادها وترفض دعم أي مرشح باستثناء الموقف الذي أعلنته خليجياً ودولياً بضرورة وصول رئيس من خارج منظومة الممانعة.
أثار كلام غريو في السفارة الفرنسية والتي دافعت عن مبادرات بلادها منذ أن أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون بعد انفجار المرفأ في 20 آب 2020، الكثير من الانتقادات وردود الفعل خصوصاً المسيحية، وبدأت تُطرح تساؤلات عما إذا كانت الوساطة الفرنسية متوازنة خصوصاً كلامها الذي ركزت فيه على المسيحيين حين قالت، "أين كنتم اليوم لو أنّ فرنسا لمّ تهبّ على وجه السرعة لدعم مدارسكم كَيلا تغلق أبوابها، لا سيمّا المدارس الخاصّة، والمسيحيّة منها تحديداً". فإذا كانت باريس لا تزال تؤدي دوراً، إلا أن سياساتها كانت متماهية مع أطراف إقليمية تسعى إلى الهيمنة على لبنان.
يبدو أن المسيحيين هم أكثر المتضررين من التطورات الإقليمية والدولية ومن الوضع الداخلي الذي ينحو شيئاً فشيئاً إلى هيمنة "الثنائي الشيعي" على المؤسسات. ففي الوقت الذي يتمسك فيه "حزب الله" بفرنجية للرئاسة ويستند في خياره على فائض قوة، لا تستثني ما يكرسه جنوباً، وإن كان تحت شعار المقاومة، إلا أن القوى المسيحية التي تبنت ترشيح جهاد أزعور لم تستطع بلورة عناصر قوة تمكنها من المبادرة خصوصاً وأن رئيس التيار الوطني الحر #جبران باسيل يعمل على إعادة ترتيب أوضاعه مع "حزب الله" من خلال فتح قنوات معه، وإن كان يُبقي على التواصل مع المعارضة والقوى التي ترفض تنصيب فرنجية، لكنه في الوقت نفسه يكسر إمكان المسيحيين على التقدم بمرشحهم انطلاقاً من حساباته الخاصة ورهانه خارجياً على حركة تغيّر مقاربة الاستحقاق الرئاسي في الخريف المقبل.
ينعكس هذا الواقع على الحوار المرتقب إذا نجح لودريان في عقده، فبينما تتجه قوى مسيحية إلى طرح الفيديرالية كخيار للصيغة المقبلة، والنظام، رداً على الهيمنة القائمة، وإن كانت البطريركية المارونية لا تزال تتمسك بالطائف، وتدعو إلى مؤتمر دولي حول لبنان، وفي الوقت الذي لا تحسم فيه الفيديرالية الخلافات المسيحية بين القوى المختلفة التي التقت على رفض فرنجية، خصوصاً بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر الأقل قدرة على التنظيم، يظهر أن هذا الطرح سيقلل من قدرة المسيحيين عموماً على التأثير في القرار ووضعهم في موقع ضعيف أمام المكونات الاخرى.
يطرح هذا الموضوع جملة من التساؤلات حول علاقة المسيحيين بالمكوّن السني الذي يرفض أي مساس باتفاق الطائف رغم التفكك الذي يعانيه، وهو أمر تلقفه "الثنائي الشيعي" من خلال مواقف أطلقها الرئيس نبيه بري والأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله أكدت الالتزام بالطائف ورفض تعديله، إضافة إلى كلام الحزب عن أن ضمانته الوحيدة هو شخص الرئيس، وهو ينطبق على سليمان فرنجية واعتباره من أبرز المتمسكين بالاتفاق. وهنا يريد "حزب الله" طمأنة السنّة وفي الوقت نفسه كسر الرفض المسيحي لفرنجية، وإن كانت الأطراف المسيحية تعتبره حالة لما يريد "حزب الله" فرضه في الرئاسة وفي مؤسسات الدولة.
وعلى رغم هذا الطرح يريد "حزب الله" فرض معادلة في البلد يكون فيها المقرر مع رئيس تحت جناحيه. وهذه العناوين المطروحة كان أعلنها أمينه العام حسن نصرالله، بوضوح في كلمته الأخيرة ورفع أوراق القوة التي يملكها جنوباً لاستثمارها في الداخل وتجيير الامور لمصلحته باستعصائه، وبفائض قوته ودوره الداخلي والإقليمي ... ولذا هو يستمر في المراهنة على تطورات إقليمية ودولية من بينها التواصل الإيراني- السعودي والانفتاح على سوريا تنعكس على لبنان، وتصب في وصول مرشحه للرئاسة بصرف النظر عما يمكن أن يخرج من اجتماع الدوحة لدول باريس.