الاحداث- في إطار “يوم المحبّة والتضامن” في الصرح البطريركي في بكركي، عُقد لقاءٌ موسّعٌ جمع صاحبَ الغبطةِ والنيافةِ الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، والسفيرَ البابوي، ووزيرَ الإعلام، ونوّابًا وفاعليّاتٍ بلديّةً وكنسيّة، إلى جانب رؤساء بلديّات ومخاتير وكهنة وأبناء القرى الجنوبيّة المتضرّرة. وقد تحوّل الاجتماع إلى منصّةٍ جامعة لعرض الواقع الميداني بتفاصيله الدقيقة، حيث ارتفعت صرخات القرى المحاصَرة والمهمَّشة، مطالبةً بإجراءاتٍ عاجلة تُنهي العزلة وتحمي الوجود.
مطالبُ موحّدة: من الحصار إلى الصمود
تركّزت المداخلات على جملة مطالب أساسيّة برزت كأولويّات ملحّة، أبرزها:
فتح ممرّات إنسانيّة آمنة بين القرى، ولا سيّما بين دبل ورميش، لتأمين انتقال المرضى والمساعدات.
إنشاء مستشفيات ميدانيّة وتجهيز نقاط إسعاف، في ظلّ تدمير البنى الصحيّة ونقص الأدوية، خصوصًا المزمنة.
تفعيل دور الجيش اللبناني لضبط الأمن وحماية الأهالي من التعدّيات، لا سيّما بعد تسجيل خروقات في فترة الهدنة.
تعزيز انتشار القوات الدوليّة في النقاط الحسّاسة لحماية المدنيّين، ومنع الاحتكاكات.
تأمين دعم مالي مباشر للأهالي، إذ إنّ الحاجة لم تعد غذائيّة فقط، بل باتت مسألة بقاء واستمرار.
الحفاظ على ما تبقّى من القرى ومنع أعمال الجرف والتخريب، كشرطٍ أساسي لعودة السكان.
إيصال الصوت إلى المرجعيّات الدوليّة، وفي طليعتها الكرسي الرسولي، لحشد الدعم الدبلوماسي.
وقد عكست هذه المطالب واقعًا إنسانيًا ضاغطًا: حصارٌ في بعض البلدات، تدميرٌ للمنازل والبنى التحتيّة، نقصٌ في الخدمات الأساسيّة، وتشتّتٌ للعائلات، مقابل إصرارٍ واضح على البقاء في الأرض وعدم التخلّي عنها.
السفير البابوي: تضامنٌ مستمر ودعمٌ يومي
السفير البابوي أكّد، في كلمةٍ مقتضبة، أنّ ما عُرض في اللقاء يحظى بمتابعةٍ دائمة من قبله ومن الكرسي الرسولي، مشدّدًا على أنّ الجهود مستمرّة رغم صعوبة الظروف. وأشار إلى تضامن اللبنانيين في الداخل والانتشار، داعيًا إلى توحيد المبادرات لتصل المساعدات بفعاليّة، ومؤكّدًا أنّ قداسة البابا يولي الجنوب اهتمامًا خاصًا، ويواكب أوضاعه روحيًا وإنسانيًا.
البطريرك الراعي: “قضيتكم قضيتنا”… تحرّكٌ على كلّ المستويات
وفي كلمةٍ مطوّلة، شدّد صاحبُ الغبطةِ والنيافةِ الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على أنّ ما سمعه في اللقاء هو صرخةُ حقٍّ لا يمكن تجاهلها، مؤكدًا أنّ قضية الجنوب هي قضية الكنيسة والوطن بأسره، وليست شأنًا محليًا أو ظرفيًا.
وأشار إلى أنّ الكنيسة لن تكتفي بدور الإصغاء، بل ستتحرّك عبر مؤسّساتها وعلى مختلف المستويات، لمتابعة المطالب المطروحة وتحويلها إلى خطواتٍ عمليّة، بالتعاون مع الجهات الرسميّة والهيئات الدوليّة. كما أعلن عزمه على التواصل مع السفراء والدول الصديقة من أجل دعم هذه القضايا، ولا سيّما في ما يتعلّق بفتح الممرّات الإنسانيّة وتأمين الحماية.
ولفت إلى أنّ التجارب السابقة أظهرت ضرورة الاستعداد المسبق لكلّ الاحتمالات، داعيًا إلى وضع خطّة صمودٍ متكاملة تشمل الجوانب الصحيّة والإنسانيّة واللوجستيّة، لأنّ بقاء الناس في أرضهم هو حقّ مقدّس يتطلّب حمايةً فعليّة.
كما أكّد أنّ الكنيسة ستنقل هذه المطالب بأمانة، وستبقى إلى جانب أبنائها، داعيًا إيّاهم إلى الثبات، لأنّ صمودهم هو شهادة إيمانٍ حيّة. وختم بالدعوة إلى الصلاة من أجل أن تتحوّل الهدنة إلى نهايةٍ للحرب، مشدّدًا على أنّ السلام العادل هو وحده الكفيل بإعادة الحياة إلى الجنوب، وأنّ الله وحده قادر على تغيير القلوب وتحويل مسار الأحداث من الحرب إلى السلام.
خلاصة المشهد
لقاء بكركي لم يكن مجرّد اجتماعٍ تنسيقي، بل شكّل محطةً وطنيّةً وإنسانيّةً رفعت الصوت عاليًا باسم الجنوب، واضعةً أمام المعنيّين خريطةَ مطالب واضحة، بين الإغاثة العاجلة وخطّة الصمود الطويلة، في انتظار أن تتحوّل هذه الصرخات إلى قراراتٍ تحمي الإنسان وتصون الأرض.