الاحداث- كتب غسان عياش في صحيفة النهار يقول:"واجه المبعوث الرئاسي الفرنسي خيبة أمل كبيرة عندما رفضت القوى السياسية المعارضة دعوته للحوار في إطار المبادرة الفرنسية لتسهيل انتخاب رئيس للجمهورية. فطرح تسمية اللقاء المقترح بين القوى ال#لبنانية بالمناظرة بدلا من الحوار آملا أن يساعد تغيير التسمية على تجاوز الاعتراضات ونجاح المبادرة.
الأجدى من المناظرة أوالحوار حول الحصص - والتطمينات - السياسية في العهد المقبل هو الاتّفاق على خريطة طريق لإخراج البلاد من حالة الانهيار المالي والاقتصادي والإفلاس. فمن المفيد استبدال الصيغ المطروحة للحوار بفحص شفهي للمرشّحين للرئاسة يقتصر على سؤالين محدّدين: ما هي الخطّة التي ستدعمها لتحقيق إصلاح المالية العامّة للدولة، وما هي الخطّة التي تفضّلها لإعادة هيكلة المصارف واستعادة أموال المودعين.
من شأن هكذا فحص شفهي إخراج الحوار اللبناني من الخطابية والإنشائية والانتقال بالجدل إلى عالم المؤشّرات الملموسة والأرقام، لعلّ ذلك يطمئن نفوس اللبنانيين القلقة على المصير الاقتصادي القريب والبعيد.
الخوف من استئناف الانهيار النقدي هو من أهمّ ما يشغل بال اللبنانيين في اللحظة الراهنة. فرغم استمرار استقرار سعر صرف #الليرة اللبنانية خلال الأشهر الأخيرة، تتصاعد الأسئلة والتساؤلات حول مستقبل سعر الصرف وعمّا إذا كانت الليرة ستتمكّن من المحافظة على مستويات أسعارها الراهنة لفترة طويلة.
فلا الهدوء المستمرّ في سوق القطع، ولا التبشير بقرب الانتقال من "معمّيات" منصّة صيرفة إلى إطار "#بلومبرغ" الواضح والشفّاف ولا تعهّدات وسيم منصوري وزملائه في الحاكمية بالامتناع عن إقراض الدولة والحفاظ على ما تبقّى من بقايا الاحتياط الإلزامي، لا هذا ولا ذاك استطاع اقتلاع جذور المخاوف الدفينة في الأسواق من استئناف هبوط الليرة أمام الدولار والعودة إلى جنون التضخّم وذوبان القيمة الفعلية للرساميل والمداخيل بالعملة الوطنية.
ينبغي على اللبنانيين أن يحمدوا الله، الذي لا يُحمدُ على مكروه سواه، كلما انقضى يومٌ جديد دون عودة العواصف المعهودة إلى سوق القطع ومواصلة الانهيار في سعر العملة الوطنية وفي مستوى المعيشة. لأن نوايا مصرف لبنان وحتى قدراته التي أصبحت معدومة لا تضمن استقرار النقد. لقد بات ضروريا تغيير الثقافة الشعبية والحكومية التي تعتقد أن مصرف لبنان قادر على صنع المعجزات.
تثبيت سعر الصرف ليس من مهام المصرف المركزي، لا في لبنان ولا حتى في أغنى بلدان العالم. فالنقد السليم هو الذي يستند إلى اقتصاد سليم ومتوازن، وخصوصا إلى توازن الموازنة العامّة وميزان المدفوعات.
ما يثير القلق أن الدولة اللبنانية، بعد أكثر من ثلاث سنوات على بدء الانهيار النقدي والاقتصادي، لم تهتد بعدُ إلى برنامج يسهم في تحقيق التوازنات الاقتصادية المساعدة على استقرار مستدام في سوق القطع. إضافة إلى حاجات الدولة بالعملات الأجنبية التي تصل إلى 2.5 مليار دولار سنويا، على الأقلّ، فإن الاستيراد يربو على 20 مليار دولار، وتصل حاجات استدانة الدولة حسب موازنة السنة الجارية والسنة المقبلة معا إلى حوالي 70 تريليون ليرة، فيما تبلغ الكتلة النقدية حاليا حوالي 60 تريليون ليرة.
في ذروة الحاجة إلى تأمين التمويل للحدّ من عجز الموازنة، تضمّن مشروع موازنة 2023 إعفاء اللبنانيين المقيمين أصحاب الاستثمارات في الخارج من الضريبة الناتجة عن الأرباح والإيرادات المتأتية من رؤوس الأموال المنقولة أي عوائد الأسهم، السندات، الفوائد المصرفية.
الدكتور سليم شاهين، نائب حاكم مصرف لبنان الذي لعب دورا محوريا في الوصول إلى اعتماد "بلومبرغ" للتدول بالعملات الأجنبية لم يدّع بأن هذا التدبير كاف وحده لـضمان استقرار سعر الصرف، بل اعتبره خطوة تحقّق شفافية عمليات القطع وتحرّر السوق من الأرباح غير المشروعة التي حصّلها المحظوظون في ظل "صيرفة" والتي قدّرها البنك الدولي بما يقارب 2.5 مليار دولار. وأضاف أن الأمل بأن يساعد الاتفاق مع "بلومبرغ" إلى تحقيق تحرير سعر الصرف وتوحيده للحدّ من الضغط على موجودات المصرف المركزي بالعملات الأجنبية وتأمين الأسس لتوازن مالي واقتصادي متين. وطالب الدولة بالمقابل بتأمين العوامل الاقتصادية التي تسمح بأقصى حدّ ممكن من ثبات سعر الصرف.
خلاصة كل ذلك أن الأساس لضمان الاستقرار هو بيد الدولة، الدولة وحدها، وهي تتخبّط ولا تقدم رغم مرور الوقت على خطوة واحدة باتجاه الانقاذ.