الاحداث- كتب ماهر سلامة في صحيفة الاخبار:"عيّن مجلس الوزراء في آب الماضي مجلس إدارة جديداً للضمان تطبيقاً للقانون 319 الصادر في 2023 الذي يخفّض عدد أعضاء مجلس الإدارة من 26 عضواً إلى عشرة: 4 يمثّلون العمال، و4 أصحاب العمل، و2 الدولة. أتى هذا التعيين لينهي حقبة نظام تعويض نهاية الخدمة الذي مضى عليه 63 عاماً منذ إقراره بشكل مؤقت في المادة 49 من قانون الضمان. فالتعديل القانوني في 2023 لا يقتصر على خفض أعضاء المجلس، بل يرتبط مباشرة بالانتقال نحو نظام التقاعد والحماية الاجتماعية، أو ما يعرف باسم نظام الشيخوخة. هذه هي مهمة المجلس الجديد.
تعقيدات الانتقال
الفرق بين النظامين كبير. نظام تعويض نهاية الخدمة يقدّم للأجير تعويضاً مالياً عند التصفية، سواء بداعي ترك العمل أو السن القانونية أو الوفاة. أما النظام الجديد، فيحوّل التعويض إلى معاش تقاعدي شهري يُدفع للمضمون مدى الحياة. لكن الانتقال من نظام إلى آخر ليس أمراً بسيطاً، بل يأتي بعد انهيار مالي دمّر الأسس التي كان يقوم عليها النظام القديم. ففي نظام تعويض نهاية الخدمة، يُحتسب التعويض على أساس الأجر الأخير الذي تقاضاه العامل. ولم تكن هذه الآلية تشكّل مشكلة كبيرة عندما كان سعر الصرف مستقراً وكانت الأجور ترتفع تدريجياً. فالاشتراكات التي كانت تتراكم على مدى سنوات، مع الفوائد، تبقى قريبة نسبياً من قيمة التعويض الذي يستحقه العامل في نهاية خدمته. لكن بعد الأزمة، انكسرت هذه المعادلة بالكامل. على سبيل المثال، عامل كان راتبه المصرّح عنه مليوناً ونصف مليون ليرة صار راتبه اليوم، مثلاً، 80 مليون ليرة.
وعندما يُحتسب تعويضه على أساس الأجر الجديد، تظهر فجوة هائلة بين التعويض الذي أصبح مستحقاً له وبين الاشتراكات التي تراكمت باسمه حين كانت الأجور لا تزال بمليون أو مليونين من الليرات. هذه الفجوة تظهر على شكل «تسوية» على صاحب العمل. وكلما ارتفعت الأجور المصرّح عنها، كبرت التسوية. هكذا تحوّلت التسويات إلى واحدة من أعقد مشكلات الانتقال إلى النظام الجديد. الضمان بات يطالب أصحاب العمل بتسديد هذه الفروقات حتى يستطيع دفع تعويضات العاملين، فيما ترى غالبية أصحاب العمل أنه لا يمكن تحميل المؤسّسات وحدها خسارة نتجت من انهيار الليرة، وعن الطريقة التي أُديرت ووُظفت بها أموال الضمان. ومنذ فترة، يدور النقاش حول إلغاء هذه التسويات أو تخفيفها وتقسيطها وتعديل طريقة احتسابها حتى لا يدفع أصحاب العمل ما يتوجب عليهم، لا سيما أن هذه الأموال تمثّل الأساس المالي للانتقال من نظام إلى آخر.
والتسويات ليست المشكلة الوحيدة، بل هناك مشكلة سابقة تتعلق بالأموال التي يفترض أن فرع نهاية الخدمة راكمها في العقود الأخيرة، والتي يمكن أن تشكّل قاعدة مالية كبيرة عند الانتقال إلى نظام تقاعد. الواقع، أن هذه الأموال طارت بمعظمها بسبب انهيار النقد لأن الضمان كان يوظّفها في سندات الخزينة بالليرة اللبنانية أو كودائع لدى المصارف. وبالتالي، لا ينتقل الضمان إلى النظام الجديد ومعه الاحتياط نفسه الذي كان موجوداً بالقيمة الحقيقية قبل الأزمة، بل بأرصدة مالية هزيلة جداً.
نظام التقاعد يحتاج إلى اشتراكات تتراوح بين 17% و18% من الأجور مقارنةً بـ8.5% في نظام تعويض نهاية الخدمة
وتأتي فوق هاتين المشكلتين عقدة ثالثة لم تُحسم نهائياً بعد، وهي كيفية تمويل النظام الجديد. فالقانون لم يحدد نسبة الاشتراكات النهائية ولا كيفية توزيعها بين العامل وصاحب العمل. وتقدّر دراسة اكتوارية أعدّتها منظمة العمل الدولية أن النظام يحتاج إلى اشتراكات إجمالية تراوح بين 17% و18% من الأجور، مقارنةً بـ8.5% في نظام تعويض نهاية الخدمة الحالي، إلا أن النسبة النهائية وتوزيعها بين الطرفين يُفترض أن يحددهما مرسوم تطبيقي استناداً إلى تقييم اكتواري محدّث عند بدء التنفيذ. كما يسمح القانون برفع الاشتراكات تدريجياً على مدى عدة سنوات. وبذلك، يدخل مجلس الإدارة الجديد مرحلة التطبيق فيما إحدى أهم معادلات النظام المالية لم تُثبّت بعد بصورة نهائية. وهكذا، لا يبدأ مجلس الإدارة الجديد مهمته من مجرد إصدار 14 مرسوماً تطبيقياً ووضع قانون أُقر قبل ثلاث سنوات موضع التنفيذ. أمامه ثلاث مسائل تسبق الانطلاقة نفسها، وهي: رصيد مالي خسر الجزء الأكبر من قيمته، وتسويات ضخمة على أصحاب العمل ناتجة من تصحيح الأجور، ونسب اشتراك للنظام الجديد لم تُحسم بعد. وكل واحدة من هذه المسائل تتعلق بالسؤال نفسه: من سيموّل الانتقال؟
وهذا تحديداً ما يجعل الانتقال من تعويض نهاية الخدمة إلى التقاعد أكثر من مجرد تغيير في طريقة حصول العامل على حقه. ففي النظام القديم، كان العامل ينتظر نهاية خدمته ليقبض تعويضاً واحداً محسوباً على أجره الأخير. أما في النظام الجديد، فيفترض أن يتقاضى معاشاً شهرياً مدى الحياة. لكن قبل الوصول إلى المعاش، على الضمان أولاً أن يعالج حساب النظام الذي تركه الانهيار وراءه.
من يتكبّد الخسارة؟
كان فرع تعويض نهاية الخدمة يملك نحو 16 ألف مليار ليرة، أي أكثر من 10 مليارات دولار بسعر الصرف آنذاك. أما اليوم، فتقدّر اللجنة الفنية في الضمان القيمة الفعلية لهذه المدخرات بنحو 764 مليون دولار فقط، أي إن أكثر من 9.8 مليارات دولار من قيمتها الحقيقية تبخّرت بعد الانهيار. لكن هذه الخسارة لا تعني أن حساباً كان يحتوي على 10 مليارات دولار أصبح فارغاً. معظم الأموال كانت موظّفة بالليرة، سواء في سندات الخزينة أو في المصارف، فيما تحوّل جزء آخر إلى ديون على الدولة وقروض بين فروع الضمان. لذلك بقيت الأرقام الاسمية موجودة، لكن قيمتها الفعلية انهارت. وحتى حزيران 2025، بلغت موجودات فرع نهاية الخدمة نحو 131 ألف مليار ليرة، أي ما يعادل 1.46 مليار دولار، لكن جزءاً كبيراً منها ليس سيولة متاحة. فسندات خزينة بقيمة 4.8 آلاف مليار ليرة كانت تساوي قبل الأزمة نحو 3.2 مليارات دولار، ولا تساوي اليوم أكثر من 54 مليوناً، فيما انخفضت قيمة 5 آلاف مليار ليرة من الودائع المصرفية من نحو 3.3 مليارات دولار إلى أقل من 56 مليوناً. كذلك لا يزال نحو 509 ملايين دولار من ودائع الصندوق بالدولار عالقاً في المصارف.
وكان تقرير منظمة العمل الدولية قد أظهر منذ عام 2023 هشاشة هذه الموجودات. فقد قدّر أصول الضمان في نهاية 2020 بنحو 18.2 ألف مليار ليرة، لكنه أشار إلى أن أكثر من 40% منها كانت مستحقات وديوناً على جهات أخرى، وليست أموالاً سائلة. كما أن فرع نهاية الخدمة نفسه كان قد موّل عجز الفروع الأخرى، ولا سيما المرض والأمومة. ففي نهاية 2020 كان له أكثر من 2.4 ألف مليار ليرة كقروض ومستحقات على فرعي المرض والأمومة والتعويضات العائلية. والدولة كانت جزءاً أساسياً من هذه الخسارة. ففي 2019، كان يتوجب للضمان عليها نحو 3.8 آلاف مليار ليرة، أي نحو 2.4 مليار دولار حينها. وبحلول أيلول 2025، ارتفع الدين الاسمي إلى أكثر من 5.4 آلاف مليار ليرة، لكن قيمته تراجعت إلى نحو 61 مليون دولار فقط. أي إن الدولة لم تسدد الدين، إلا أن انهيار الليرة خفّض قيمته الحقيقية إلى جزء ضئيل مما كان عليه.
المفارقة أن هذه الخسائر لا تعني أن الضمان اليوم بلا إيرادات. مشروع موازنة 2026 يتوقع إيرادات بنحو 1.1 مليار دولار مقابل نفقات بقيمة 726 مليوناً، أي فائضاً بنحو 362 مليون دولار. لكن هذا الفائض يقيس حركة الأموال خلال سنة واحدة، ولا يعيد تكوين الاحتياطات التي خسرت قيمتها خلال الأزمة. كما أن الإنفاق على التقديمات الصحية، الذي كان يبلغ نحو 870 مليون دولار في 2019، لا تزال موازنة 2026 تقدّره بنحو 360 مليون دولار فقط.
ومع تصحيح الأجور، تحولت الفروقات المستحقة على أصحاب العمل إلى مبالغ كبيرة يصعب تحصيلها بسرعة، فيما لا يستطيع الضمان إنهاء ملفات التعويضات من دون تسديدها. في نهاية 2020، قدّرت منظمة العمل الدولية التزامات فرع نهاية الخدمة بنحو 9.2 آلاف مليار ليرة، بينها 1.469 ألف مليار كتسويات على أصحاب العمل. ومع أول تصحيح للأجور في 2022، ارتفعت الالتزامات المقدرة بنحو 3.6 آلاف مليار ليرة إضافية، معظمها تسويات. وفي أحد سيناريوهات المنظمة، يمكن أن تقترب التزامات الفرع من 100 ألف مليار ليرة، مع إقرارها بأن قدرة أصحاب العمل على إعادة تمويل النظام بالكامل ليست واقعية. منذ ذلك الحين، تحولت التسويات إلى موضع شدّ حبل بين الضمان وأصحاب العمل، بين من يطالب بتسديدها كاملة لضمان حقوق الأجراء، ومن يطالب بالتقسيط أو بتخفيف العبء حتى لا تتحول التسويات نفسها إلى عائق أمام الانتقال إلى النظام الجديد.
وهكذا، فإن تطبيق نظام التقاعد الجديد لا يتوقف فقط على إصدار المراسيم ووضع آلية دفع المعاشات. قبله توجد فاتورة النظام القديم. وهي عبارة عن أموال فقدت قيمتها، وديون على الدولة ذابت، وودائع عالقة، وتسويات متزايدة على أصحاب العمل. ومن دون تحديد كيفية توزيع هذه الخسائر، سيكون الانتقال إلى التقاعد انتقالاً محاسبياً قبل أن يكون حلاً فعلياً لأزمة الضمان.