الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*
جَفَّت المحابرُ من تعدُّد التحليلات، حول فرادة الرابط العُضوي، بين الولايات المُتحدة وإسرائيل، بالرُّغم من آلاف الأميال الفاصلة بينهما جغرافياً. يتكثَّفُ تشاوُرُهما السياسيُّ والمُخابراتيُّ والعسكريُّ ..، وتتداخَلُ مصالحُهما الإقليميةُ والدوليةُ، ويبقى تبديدُ الإلتباسُ مُتعذِّراً على المُحلِّلين، بشأن مَن يملكُ منهماكلمةَ الفصل.
لطالما علقَ في الأذهان، ما أشاعته الأوساطُ الإسرائيلية، من أنَّ متانةَ العلاقات الأميركية الإسرائيلية، قائمةٌ على الإرث المسيحي اليهودي. هذا الزعمُ ينطوي على تسطيحٍ فكريٍّ، واستخفافٍ بعقول الناس، الذين يُراد منهم الإيمانُ، بأنَّ عقيدتَين نقيضتَين تصنعان وحدةَ قِيَمٍ مُتجانسةٍ، حيث تدعو الأُولى إلى المحبَّة والتآخي، بينما تؤمنُ الثانيةُ بالعُنصُرية وبدونية الآخر!
والغرابةُ تتجلَّى بمُماشاة الولايات المتحدة، داعية الحريَّة والديمقراطية، لإسرائيل باستخدام كليشات "القِيَم المشتركة" الخادعة، استدراراً للتعاطُف الدولي معها، وتعميةً على طبيعتها الكاسرة. إنَّها سياسةُ "ذَرِّ الرماد بالعيون"، التي يتعهَّدُها الحلف الإستراتيجي، من خلال الإحتضان الأعمى، على مدى ثمانية عُقودٍ لنهج اغتصاب الأرض، والتهجير والإستيطان العُنصُري..، بذريعة "حقّ إسرائيل في الدفاع عن شعبها"!
حقيقةُ أمر العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، إنَّها تقومُ على تحالُف مصالح، ورثته واشنطن من التركة، التي خلَّفَها انحسارُ النفوذَين البريطاني والفرنسي عن المشرق، غداة الحرب العالمية الثانية. وكان لاكتشاف الشركات البريطانية والأميركية للنفط في المنطقة، بكمياتٍ تجاريةٍ، أنْ نبَّهت الولاياتَ المتحدةَ، إلى أهميَّة العالم العربي، لِما يكتنزُه من ثرواتٍ دفينةٍ، وعُمقٍ استراتيجي، ما دفعَها لتكونَ في طليعة الدول المُعترِفَة بقيام الكيان الإسرائيلي، "مسمار جحا".
وإسرائيلُ الوليدةُ، بدورها، كانت بأمسِّ الحاجة لسندٍ دوليٍّ موثوقٍ، لتثبيت دعائمها الطريّة العُود، وهو ما وجدته، بدايةً، في الإتحاد السوفياتي والولايات المُتحدة وأوروبا عُموماً، وفرنسا خصوصاً، في خمسينات القرن الماضي. لكنَّ مُشاركتَها في العدوان الثُلاثي، على قناة السويس، في خريف 1956، أرشدَتها، من حيث لم تقصدْ، إلى استبدال اعتمادها على أوروبا، بالولايات المتحدة، بالرُّغم من الإنذار الحازم، الذي وجَّهَه الرئيسُ الأمريكي "دوايت أيزنهاور"، في نوفمبر 1956، إلى رئيس وزراء إسرائيل، "دايفيد بن غوريون"، طالباً منه "الإنسحاب الفوري من الأراضي المصرية وشبه جزيرة سيناء تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة ..". وزمن الرئيس الأميركي، "ليندون جونسون"، رأت واشنطن، في انتصار إسرائيل الخاطف، في حرب الأيّام الستَّة، عام 1967، قوَّةً استراتيجيةً، تصلحُ لتكونَ رأسَ حربتها، في الشرق الأوسط.
ومنذ ذلك الوقت، تيقَّنت إسرائيلُ أنَّ مصلحتَها تكمنُ مع الدولة الأقوى، ما حملَها على الرهان على المصالح الأمنية المشتركة، مع الولايات المتحدة، بما يخدمُ المصالحَ الأميركيةَ في المنطقة، بقدر ما يصبُّ بتبنّي واشنطن لأمنها وديمومتها. ويكفي التأمُّلُ بما يدرُّه "البُعبعُ الإسرائيلي"، فقط، على الخزانة الأميركية من مليارات دولارات التسلُّح، من خزائن العرب.
بالتوازي، تعاظمَ دورُ جماعات الضغط، تحديداً "اللُّوبي اليهودي"، في الحياة السياسية الأميركية الداخلية، ما رفعَ المصالحَ الأمنيةَ المُشتركةَ، إلى مستوى التعاون الإستراتيجي، بحيث باتت الولاياتُ المتحدةُ، تعتبرُ إسرائيلَ ذراعها الطويل الموثوق، لحماية مصالحها في الشرق الأوسط. وشملَ التعاونُ مختلفَ المجالات، من الاقتصاد إلى المال والتكنولوجيا والدفاع .. لدرجةٍ دأبت واشنطن على تخصيص إسرائيل بمساعداتٍ عسكريةٍ ضخمةٍ، تتراوحُ بين ثلاث إلى أربع مليارات دولارٍ سنويّاً، فضلاً عن التزام ضمان تفوُّقها العسكري.
ومع ذلك، كشفت عملياتُ التجسُّس الإسرائيلية، ضدّ واشنطن، ابتزازَ تل أبيب لوليَّة نعمتها. وهذا، ما يُعبِّرُ عنه المسؤولون الأمريكيون، الحاليون والسابقون، بـ"أنَّ الجهودَ الإسرائيليةَ الأخيرةَ، تجاوزت ما هو معتادٌ أو متوقَّعٌ، في سياق أعمال التجسُّس، بين الدول الصديقة".إلى ذلك، "أفادَ تقريرٌ لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية، بأنَّ أفراداً من البنتاغون، يعملون داخل إسرائيل، اكتشفوا برمجياتَ تجسُّسٍ، زُرعت سرّاً في هواتفهم المحمولة، بهدف مراقبة اتصالاتهم".
هذه الاتهاماتُ هي غيضٌ من فيضٍ، وحلقةٌ من سلسلةٍ طويلةٍ، من المكائد الإستخبارية الإسرائيلية، ضدَّ الولي الأميركي، بلغت ذُروتَها، عام 1985، لدى اعتقال مُحلِّل الاستخبارات في البحرية الأمريكية، "جوناثان بولارد"، بعد تسريبه آلاف الوثائق الفائقة السريَّة لإسرائيل.وبعد الحكم عليه بالسجن المؤبَّد، ما انفكَّت إسرائيل عن الإلحاح للإفراج عنه، إلى أن "رَقَّ قلبُ" الولي على توسُّلات المولى، وأُفرجَ عنه، عام 2015، ليُغادرَ نهائياً إلى إسرائيل، لتستقبلَه بالأحضان، قبل تقبيل تُرابها، فور نزوله من الطائرة الخاصَّة، التي أقلَّته. ومع اعتذار إسرائيل وتعهُّدها بوقف نشاطاتها التجسُّسية، ضدَّ الولايات المتحدة، استمرَّت شكاوى "مكتب التحقيقات الفدرالي" من تكرار عمليات تجسُّسها، التي "تجاوزت كلَّ القواعد".
قادةُ إسرائيل، لا سيَّما نتنياهو، يُدركون أنَّ مرورَ الرئيس الأميركي، أيّ رئيسٍ أميركيٍّ، بالبيت الأبيض هو مُرورٌ مؤقَّتٌ، بينما إسرائيل وأُخطبوطها الأميركي باقيان. إنَّ اطِّلاعَهم العميقَ، على دقائق صنع القرار، في واشنطن، أهَّلَهم لإتقان مُحاباة سيّد البيت الأبيض، بسياسة "شعرة مُعاوية"، كيلا نقولَ سياسة "الترغيب والترهيب" الإنتخابي، من خلال "اللّوبي" اليهودي". وإذا ما نَدَرَ "وتجاسرَ" أحدُ الرؤساء، على مُعاندتهم، ينحنون بانتظار نهاية ولايته، لتأكُّدهم من زحف المرشَّح العتيد للمكتب البيضاوي نحوهم، طمعاً بمساندتهم المالية والإعلامية والإنتخابية.
تبقى الإشارةُ، إلى تآكُل التأييد الشعبي والرسمي الأعمى لإسرائيل، بعد أحداث غزَّة، وهو ما تعكفُ على احتوائه أُمَّهاتَ المؤسَّسات اليهودية، الإعلامية والمالية والفكرية ومراكز الضغط، في الدولة العميقة. وإذا كانت عودةُ الإتزان والتعقُّل، إلى السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، يلزمُها الكثيرُ من الجهد الجماعي المُتواصل، فالأكيدُ إنَّها مسألةُ وقتٍ، وإنْ طالَ.
*سفير سابق