Search Icon

الكلمة للميدان

منذ ساعة

أقلام حرة

الكلمة للميدان

الاحداث - بقلم أنطوان العويط

على اختلاف وجاهة الأسباب أو هشاشتها، وتعدّد الحجج والتبريرات، المعلن منها والخفيّ، قبل أن يبلغ الصراع تلك اللحظة الثقيلة التي يُقال فيها، ببرودٍ يُشبه الأحكام الأخيرة، إنّ الكلمة قد انتقلت إلى الميدان، يكون العالم قد خسر الكثير بالفعل، وأضعاف ممّا يُرى ويُقال.
لا يحدث ذلك فجأة وسط عصف الصواريخ، بل في صمتٍ سابقٍ بطيء يشبه تسرّب الماء إلى أساسات بيتٍ قديم، حتّى تتعب الجدران وتنهار. 
الحروب لا تبدأ يوم تقلع الطائرة الحربيّة الأولى، ولا حين تشقّ القذيفة الهواء. إنّها تشتعل قبل ذلك بكثير، يوم تتهاوى طبقات كاملة من العقل والضمير، طبقةً بعد طبقة، حتى لا يبقى في نهاية الطريق سوى العنف لغةً أخيرة بعد أن تكون اللغات الأخرى قد أُعْدِمت.
في تلك المرحلة المكتومة التي تسبق انفجار الميدان، تتهاوى المعاني قبل الوقائع، ويضيع معها حدُّ المسؤوليّة والسبب، وتترنّح ركائز العمران الإنسانيّ، فيما تتصدّع جموع التجارب والخصائص التي تُعرِّف الوجود وتوجّه طرائق العيش والفهم والمعاناة والأمل في رحم الشرط البشريّ ذاته.
تسقط السياسة أوّلًا حين تتخلّى عن مهمّتها الأسمى في إدارة الاختلاف قبل أن يتحوّل خصومة، وضبط الخصومة قبل أن تنقلب قطيعة، ومنع القطيعة قبل أن تنحدر إلى الكارثة. عندها تكفّ السياسة عن أن تكون فنّ الممكن، وتتحوّل إلى عجزٍ معلن أو إلى لعبة مصالح ضيّقة لا ترى في الشعوب سوى أرقامٍ هامشيّة في دفاتر القرار.
ثمّ تتداعى الدبلوماسيّة حين تفقد روحها. عندما لا تعود جسرًا تعبر عليه الإرادات المتعارضة نحو التسويات، بل جدارًا صلبًا من العناد العبثيّ، تتراكم عليه الكلمات الجامدة والبيانات الخشبيّة. هناك لا تعود اللغة أداة تقريب، بل ستارًا يخفي تصلّب المواقف واستعدادها الخفيّ للانفجار.
وتأتي لحظة يتراجع فيها صوت الحكمة أيضًا، حين يعلو ضجيج الغرائز فوق نداء العقل. يتحوّل القرار العام من فعلٍ مسؤول يوازن بين المخاطر والآمال إلى مقامرة بمصائر الشعوب والبلاد. يصبح المستقبل ورقة على طاولة اللاعبين، وتغدو الأوطان رهينة لحسابات القوّة والهيبة والانفعال. 
هكذا، قبل أن يتكلّم الميدان بصوته المدوي، يكون التهاوي قد بدأ بصمتٍ ثقيل. تبتعد السياسة عن معناها، والدبلوماسية عن رسالتها، والحكمة عن مقامها. وعندما تتآكل هذه الحصون الثلاثة، ينهض الميدان ليملأ الفراغ، لا بوصفه خيارًا، بل نتيجةً أخيرة لفشل العقل في حماية الإنسان.
في تلك البرهة، لا يسقط السلام وحده، بل ينهار ما هو أعمق بكثير، ويمسّ صميم الإنسان ذاته. يتصدّع ذلك الاعتقاد الراسخ بأنّه، في ساعة الامتحان الكبرى، قادر على الانتصار على ضعفه وإخفاقه، وأن يرفع العقل فوق الغريزة. ذلك أنّ الحرب، حين تستعر، لا تبقى مجرّد صراعٍ بين قوى متقابلة، بل تتحوّل إلى هزيمةٍ لفكرةٍ إنسانيّةٍ في غاية البساطة والعظمة معًا، تلك التي تراهن على أنّ رجال الدولة في مواقع القرار، إن وُجِدوا، هم مهيّأون ومؤهّلون، في نهاية المطاف، لتسوية نزاعاتهم من دون أن يُحوّلوا الأرض إلى مقبرةٍ مفتوحة، ومن دون أن يكتبوا التاريخ بحبرٍ أسود من الدموع والرماد.
إلاّ أنّه حين تبلغ الأمور هذه العتبة، يدخل العالم طورًا من الانكسار المؤلم. لا تُدوّن فيه بيانات الهزيمة على الورق، بل تُقرأ في ملامح الوجوه، وفي التعب الذي يسكن الأرواح، وفي الخوف الذي يتسلّل إلى البيوت كضيفٍ ثقيل لا يغادر. 
إنّه إفلاسٌ أخلاقيّ هادر، يتجلّى في عجز الحكمة عن الإقناع، وقصور السياسة عن تغليب الخير العام، وتأخّر الضمير عن الصراخ حتّى صار صوته همسًا ضائعًا في ضجيج الإنكار والمكابرة.
لذلك، فإنّ المفترق الذي يُقال فيه إنّ الكلمة أصبحت للميدان هو ليس ببداية، بل نهاية؛ ختمٌ بالشمع الأحمر على فرص ضاعت، وعلى مرحلة كان يمكن فيها للعقل أن يتدخّل، وللسياسة أن تفتح نافذة، وللضمير أن يرفع صوته قبل فوات الأوان. وعندها، لا يبقى من الخيارات سوى الصدى المختنق لما كان ممكنًا، وتتبدّد الآمال التي كان يُحتمل أن تصنع فرقًا قبل أن يُكتب ما لا يُمحى.
مع ذلك، يبقى في العالم من يسهر على المعنى، كحراس الليل على دروب الإنسان، رافعين راية السلام بلا كللٍ ولا ملل، حاملين شعلة الأمل وسط الظلام، وراصدين خطوات سنابل القمح لتعود وتنضج مهما غشى الدرب الضباب.
هم يعرفون أنّ الميدان، مهما ارتفع صوته، لا يستطيع أن يقول الكلمة الأخيرة. 
هو قادر على تغيير الحدود وحسم المعارك، لكنّه عاجز عن مداواة القلوب، وعن إصلاح ما تهشّم في الروح البشريّة، وعن استعادة ما أضاعته يد الغضب والجنون.
لهذا، يهمس أصحاب الضمائر الحيّة، كلّما سمعوا العبارة الثقيلة "الكلمة للميدان"، بحقيقة يعرفها التاريخ جيّدًا، أنّ الكلمة، مهما غابت، ستعود يومًا. لا بدّ أن تعود...إلى الإنسان. 
يعترف هؤلاء أنّ مناجاتهم تنبثق من خارج الزمن والمكان، حيث لا تتحكّم القيود بالواقع، ومع ذلك يظلّون متمسّكين بوعيهم وإيمانهم بالكلمة، رغم كلّ محاولات الميدان لابتلاعها. فالإنسان لا يُبنى إلاّ بالكلمة، ولا يحيا إلاّ إذا أدرك أنّ للحياة قيمةً لا يُسمح لأيّ قوّة أن تمحوها، وأنّ الحقّ في الحياة، لا في الموت، هو ما يميّزه ويصنع إنسانيّته.
الكلمة الأخيرة تبقى دائمًا للإنسان… إذا ما استطاع، بعد كلّ هذا الأفول، أن يستمع إلى صدى الألم، أن يتعلّم من الدمار، أن يرفع الروح فوق الخوف والخذلان، وأن يحمي الحياة بدل أن يكرّر المأساة، فيبني بدل الخراب، ويزرع بدل الرماد، ويضيء حيث عمّ الظلام.