Search Icon

حين أقام النور في قلب بيتر العويط

منذ ساعتين

أقلام حرة

حين أقام النور في قلب بيتر العويط

الاحداث- كتب أنطوان العويط

لم يكنِ الممرُّ نحوَ القربانة الأولى طريقًا يُعبر، بل عتبةً تُجتاز بين زمنين. واحدٌ يخلعُ براءته على عتبات الضوء، وآخرٌ يتلقّى تلك الطهارة ليصعد بها نحو العلاء.
هناك، كانت الطفولةُ تمشي لا على الأرض بل على خيطٍ من بهاء، بخفرٍ يشبه صلاةً لم تُتَرجَم بعد، فيما الأبدُ، بهيبةِ الأبوّة الأولى، يفتحُ ذراعيه لا لاحتواء جسدٍ بل لاحتضان معنى. وكأنّ الصوتَ الآتي من عمقِ السماوات لا يُنادى بل يُستعاد. دعوها تأتي إليّ الطفولة، ولا تمنعوها… فهي تعرف الطريق قبل أن يُقال، وتعرف الاسم قبل أن يُنادى.
كقطرةِ فجرٍ استقرّت على جفنِ الحقل، أقبلَ بيتر العويط، حفيدي، يحملُ انخطافه بين كفّين صغيرتين، كأنّه يُمسك بما لا يُمسك. كان قلبُهُ مفتوحًا لا كنافذةٍ بل كسكونٍ يتعلّمُ أن يصير نورًا. كيف يفيضُ دون أن يُرى، وكيف يعطي دون أن ينقص. وكان شوقُهُ إلى ذلك الخبز يتجاوز الجوع، لأنّه لم يكن خبزًا يُؤكل، بل سرَّ الحياة حين تُمنَح.
وهناك، حيثُ البرعمةُ ما تزالُ في أولِ صعودها، أدركَ بيترُ العصفورُ أنّ الهواءَ لم يعد فراغًا، بل حضنًا خفيًّا يسندُ ارتجاف الجناح.
وحين اقترب، صمتَ كلُّ قولٍ؛ فالنقاءُ صلاةٌ لا تحتاجُ إلى صوت، واللغةُ تنحني أمام اكتمالها. وكان الحسنُ يسبقهُ إليه، لا كإشراقٍ عابر، بل كمعرفةٍ سابقة، كأنّ الوجودَ يتهيّأ لهُ قبل قدومه، ويهتدي إليه قبل أن يُنادى. كأنّ للضياءِ سجلًّا أزليًّا، وعنوانُهُ قلبُه.
لم يعدْ بيترُ الطفلَ الذي يتقدّمُ نحو القربانِ المقدّس للمرة الأولى، بل صارَ سرًّا يمضي إلى سرّ؛ لا يقفُ أمامه كغريبٍ، بل يدخلُ فيه كما يدخلُ النورُ في ماهيّته، والسرُّ فيه يكتمل. وكانت خطوتُهُ على الأرضِ همسًا، لكنّها كُتبت في لاهوتِ الحياة سطرًا من ضياء، وفي السماءِ كانت قفزةً نحو ما لا يُحدّ.
منذُ تلكَ اللحظة، صارَ فؤادُهُ بيتًا يعرفُ الضيفَ قبل أن يقرع، ويتهيّأ لهُ قبل أن يصل. لا أدري حينها من ابتسمَ أوّلًا، يسوعُ لبيتر أم بيترُ ليسوع؛ كلُّ ما أعلمه أنّ ابتسامتينِ تلاقتا في نقطةٍ لا يُقاسُ فيها الزمن، ودخلَ منهما شعاعٌ لا يُرى… بل يُعاش.
كانَ ذلك القوتُ أكثرَ من سنبلة؛ كانَ ذاكرةَ الطريقِ من البذارِ إلى الحصاد، من الترابِ إلى الملكوت. وكانَ بيتر، صغيرًا كنجمةٍ تتعلّمُ اسمَها، كبيرًا كصلاةٍ بلغت اكتمالها في الصمت.
هناك، وقفَ كينبوعٍ يتعلّمُ دهشتَهُ الأولى، كحقلِ قمحٍ أدركَ سرَّ انحنائه للشمس. بلغَ تلكَ المساحةَ البهيّة، حيثُ يصيرُ اللهُ نبضًا خفيًّا في صدرِ طفل، لا يُعرَّفُ بالكلمات بل يُعرفُ بالحضور. وكان ذلك حين اختارَ يسوعُ قلبَ بيتر مسكنًا بلا شرط.