Search Icon

المنطقة على حافة الانفجار… وأولوية لبنان الانسحاب الإسرائيلي

منذ ساعة

من الصحف

المنطقة على حافة الانفجار… وأولوية لبنان الانسحاب الإسرائيلي

الاحداث- كتبت صحيفة "الأنباء" الالكترونية: لم يعد التصعيد الأميركي ـ الإيراني مجرد تبادل للتهديدات أو حرب رسائل بالنار والكلمات. المنطقة تقف اليوم على حافة جولة جديدة من المواجهة المفتوحة، بعدما ارتفع منسوب الخطاب العسكري إلى مستويات غير مسبوقة، وترافقت التهديدات المتبادلة مع تحضيرات ميدانية توحي بأن الولايات المتحدة وإيران تستعدان لاحتمال العودة إلى عمليات عسكرية أوسع وأشد قسوة من الجولات السابقة.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أنه يدرس بجدية استئناف عمليات قتالية موسعة ضد إيران، وصولاً إلى هجوم "أكبر من أي هجوم سابق"، فيما وجّه تهديدات مباشرة باستهداف الجسور ومحطات توليد الطاقة الإيرانية في حال استمرار استهداف السفن في مضيق هرمز. وفي المقابل، لم تتأخر طهران في رفع سقف الرد، إذ توعدت القيادة العسكرية والحرس الثوري بأن أي ضربة أميركية جديدة ستقابل برد يطال المصالح والبنى التحتية الأميركية والإقليمية، مع تحذيرات من أن الحرب قد تتوسع إلى ما بعد حدودها الجغرافية.

الاستعدادات العسكرية… الخطر الحقيقي

وإذا كان التصعيد الكلامي يمكن احتواؤه أحياناً عبر قنوات الوساطة والاتصالات، فإن الخطر الحقيقي يكمن في انتقال المواجهة إلى مرحلة الاستعدادات العملياتية. فالولايات المتحدة تعزز قدراتها العسكرية في المنطقة، فيما ترفع إيران جهوزيتها وتوسّع دائرة التهديد لتشمل القواعد والمنشآت التي يمكن أن تستخدمها القوات الأميركية. وبين مضيق هرمز وباب المندب، تتسع دائرة الخطر لتشمل الملاحة الدولية والطاقة والاقتصاد العالمي، في وقت بدأت فيه أسعار النفط تتأثر مباشرة بالمخاوف من إغلاق الممرات البحرية الحيوية أو تعطيلها.

جبهات مفتوحة ومؤشرات مقلقة

الأخطر أن أي جولة جديدة لن تكون بالضرورة نسخة عن المواجهة السابقة. فالمعادلة باتت أكثر تعقيداً، والجبهات أكثر تداخلاً، واللاعبون الإقليميون أكثر استعداداً للانخراط. من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب، يمكن لأي ضربة أن تستدعي رداً، وأي رد أن يفتح جبهة جديدة، بما يجعل احتمال خروج التصعيد عن السيطرة واقعاً لا يجوز التعامل معه باستخفاف. وليس إقفال عدد من السفارات والبعثات الدبلوماسية في طهران سوى مؤشر إضافي إلى ارتفاع منسوب القلق الدولي من تطورات قد تتجاوز حدود المواجهة الأميركية ـ الإيرانية المباشرة.

لبنان… أولوية الدولة ومنع الانزلاق

في هذا المشهد الإقليمي المضطرب، يكتسب الوضع اللبناني أهمية مضاعفة. فلبنان لا يستطيع أن يكون ساحة إضافية لحروب الآخرين، ولا أن يدفع مجدداً ثمن صراعات لا يملك قرارها. ومن هنا تأتي أهمية الموقف الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في واشنطن، والذي لقي ترحيباً واضحاً من الرئيس وليد جنبلاط ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي تيمور جنبلاط.

لقد أكد رئيس الجمهورية مقاربة تقوم على أن الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية يشكلان أصل المشكلة، وأن معالجة ملف سلاح "حزب الله" لا يمكن أن تتم خارج إطار الحوار والدولة، وبما يحفظ الاستقرار الداخلي ويقود في نهاية المطاف إلى حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية. وهي مقاربة تلتقي في جوهرها مع الثوابت التي أعلنها الحزب التقدمي الاشتراكي والرئيس وليد جنبلاط منذ البداية.

الخلاف على ترتيب الأولويات لا على مبدأ الدولة

فالمشكلة لم تكن يوماً في مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، بل في الطريقة التي جرى فيها ترتيب الأولويات. وقد كان اعتراض الرئيس وليد جنبلاط على اتفاق الإطار واضحاً: لا يجوز أن يتحول الاحتلال الإسرائيلي إلى تفصيل ثانوي، فيما يصبح سلاح "حزب الله" هو القضية المركزية والوحيدة. ولا يجوز أن يُفهم الاتفاق وكأنه يمنح الاحتلال حق البقاء إلى حين إنجاز مسار نزع السلاح، من دون تحديد واضح للانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وإطلاق الأسرى وتسليم جثامين الشهداء، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني في القرى الجنوبية والسيطرة على المواقع العسكرية، وسحب السلاح غير الشرعي، وبدء ورشة إعادة الإعمار وعودة النازحين إلى أرضهم.

تقاطع مقاربة بعبدا مع ثوابت "التقدمي"

من هنا، لم يكن موقف الرئيس وليد جنبلاط خروجاً عن الثوابت، بل دفاعاً عنها. ولم تكن الانتقادات التي وُجّهت إلى مقاربتي فريقي بعبدا والسراي سوى محاولة لتصويب المسار ومنع اختزال القضية اللبنانية في عنوان واحد. ولذلك كان طبيعياً أن يرحب الحزب التقدمي الاشتراكي بالتغيير الذي ظهر في خطاب رئيس الجمهورية في واشنطن، وأن يرى فيه تأكيداً لصوابية المقاربة التي طالما دعا إليها: دولة قوية، حوار داخلي، انسحاب إسرائيلي كامل، وحصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة.

الورشة الحكومية واستحقاقات الداخل

أما في الداخل، فتتجه الأنظار إلى قرارات مجلس الوزراء، ولا سيما في ملفات الكهرباء والتحول الرقمي ومرفأ بيروت ودعم الأبنية المتصدعة والتمويل الدولي، بالتوازي مع متابعة الورشة الحكومية في الملفات الاقتصادية والخدماتية.

وفي الجنوب، يستمر الجيش اللبناني في تعزيز انتشاره وتطهير المناطق من مخلفات الحرب، فيما تبقى السيادة الكاملة والانسحاب الإسرائيلي الشامل وعودة الأهالي عناوين لا يجوز أن تضيع وسط التعقيدات السياسية والأمنية.

الخلاصة: لا سيادة كاملة من دون انسحاب كامل

لبنان أمام مرحلة دقيقة. والمنطقة أمام احتمال انفجار كبير. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون المطلوب من الدولة أن تختار بين محاور الخارج، بل أن تختار لبنان. فحماية البلاد تبدأ بمنع تحويلها إلى صندوق بريد للصراعات، وتستكمل بتثبيت سيادتها على أرضها وقرارها، وبالتمسك بحقها الكامل في التحرير والانسحاب والإعمار والعودة. أما حصرية السلاح، فلا تكون مدخلاً إلى احتلال دائم، بل جزءاً من بناء الدولة، بالحوار، وبالضمانات، وبترتيب الأولويات الوطنية على قاعدة واضحة طرحها الحزب التقدمي الاشتراكي في مؤتمره العام عام 2021: لا إصلاح من دون سيادة.

واليوم، وأمام التحديات المستجدة، يمكن القول: لا سيادة كاملة من دون انسحاب إسرائيلي كامل، ولا دولة كاملة من دون حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة.