الاحداث - كتب إبراهيم منصور
ثمة سؤال لم يجرؤ أحد على طرحه بصوت عالٍ منذ زمن: متى بالضبط قرر بعض اللبنانيين أن ولاءهم لدولة أخرى يسبق ولاءهم لوطنهم، وأن هذا الأمر طبيعي؟
الجواب ليس في الأيديولوجيا ولا في خطب الجمعة أو في عظات الأحد. الجواب في التاريخ، وتحديداً في الجزء الذي يُختصر في المدارس ثم يُنسى.
ففي صيف ألفٍ وتسعمائةٍ وثلاثةٍ وأربعين، بنى بشارة الخوري ورياض الصلح دولةً على تسوية بين مكوناتها الطائفية، لا على غلبة طرف على آخر. فجعل الميثاق الوطني المسيحيين يتخلّون عن الحماية الفرنسية، والمسلمين يتخلّون عن حلم الوحدة مع سوريا. وكانت عبارة “لا للغرب ولا للشرق” تعبيراً عن هذا التوازن السياسي، وجعلت من لبنان كياناً قائماً على تفاهم لا على إملاء. لبنان لم يولد من الطبيعة، بل وُلد من تسوية، وهذا بالضبط ما ينقضه بعضهم اليوم.
فبعد ثمانين عاماً، لا يزال البعض يعتمدون على الخارج، بل ينفّذون أجنداته، غير مبالين بما سيحل بلبنان وشعبه.
في الثاني من آذار ألفين وستة وعشرين، قرر “حزب الله” أن يطلق صواريخه على إسرائيل ثأراً لاستهداف علي خامنئي. لم يسأل الحكومة اللبنانية، ولم يسأل الشعب اللبناني. رئيس الوزراء نواف سلام وصف ما جرى بأنه أعمال غير مسؤولة خارج سلطة الدولة تعرّض الأمن الوطني للخطر. ثم جاء الرد الإسرائيلي على بيروت في الثالثة فجراً. تجاوز عدد النازحين المليون منذ بداية التصعيد، فيما يقيم نحو مئةٍ وعشرين ألفاً منهم في مراكز إيواء، وسقط أكثر من ألف قتيل. وتتوسع إسرائيل جنوباً، وتتحدث عن منطقة أمنية جنوب الليطاني، فيما يطالب بتسلئيل سموتريتش بضم الجنوب اللبناني صراحةً.
دخل “حزب الله” هذه الحرب وهو يعلم حجم ما خسره في حرب الرابع والعشرين، فقد قيادتيه الأولى والثانية، وخرج منهكاً عسكرياً وسياسياً. ومع ذلك، اختار أن يتحرك كذراع إقليمية لا كقوة لبنانية محلية. النتيجة على الأرض يراها كل لبناني اليوم.
السيادة تُعلَن، فيأتي من يرفضها
ردّت الحكومة اللبنانية بخطوات متتالية: فرضت التأشيرات على الإيرانيين، وأخرجت عناصر الحرس الثوري، وأعلنت في الرابع والعشرين من آذار السفير الإيراني محمد رضا شيباني شخصاً غير مرغوب فيه، ومنحته حتى التاسع والعشرين منه للمغادرة، مستندةً إلى انتهاكات موثقة، في مقدّمها إعلان الحرس الثوري الإيراني عن عمليات مشتركة مع “حزب الله” على الأراضي اللبنانية من دون أي تنسيق مع الدولة.
جاء الرد سريعاً. فقد طالب المفتي الشيخ أحمد قبلان السفير الإيراني بعدم المغادرة، ووصف الحكومة بأنها “سلطة متهورة تنحر لبنان”. وبحسب معلومات غير مؤكدة بعد، تتعاطى السفارة الإيرانية في بيروت مع قرار الطرد كأنه لم يكن. كما تتداول تقارير لم يُتحقق منها بعد عن إطلاق صواريخ من منطقة البقاع باتجاه السفارة الأميركية في عوكر، تصدّت لها بوارج حربية قبالة الشاطئ اللبناني. وإن صحّت هذه المعطيات الأخيرة، فإنها لا تضعف الموقف الإسرائيلي فحسب، بل تمنح كل من يريد تبرير التوسع العسكري في لبنان حجةً جاهزة لا يحتاج إلى صناعتها.
من يدفع الثمن؟
حين طُلب من رجال الثالث والأربعين بناء لبنان، طُلب منهم شيء واحد: أن يقطعوا ولاءهم الخارجي. لم يُطلب منهم التخلي عن هويتهم، بل عن تبعيتهم، وكان ذلك مؤلماً للطرفين، لكنه كان الشرط الوحيد لوجود دولة.
اليوم، يقف بعض من يمسكون بمواقعهم في الدولة، إرثاً من ذلك الميثاق نفسه، ضد قرار سيادي للحكومة، ويطالبون بإبقاء سفير دولة أجنبية في وجه قرار الطرد. الدولة اللبنانية قررت، والذين يتحدّون هذا القرار لا يتحدّون حكومةً لا يحبونها، بل يتحدّون المبدأ الذي قام عليه لبنان أصلاً.
لبنان لم يقم على الغلبة، بل على التسوية، ولم يستمر إلا بقدر ما احترم أبناؤه تلك التسوية. أما حين تتقدّم الولاءات الخارجية على القرار الوطني، فإن الكلفة لا تبقى نظرية، بل تُدفع من أمن الناس واستقرارهم.
في النهاية، السؤال ليس موجهاً إلى طرف بعينه، بل إلى الجميع: أي دولة نريد؟ وأي ولاء يجب أن يكون؟