Search Icon

باريس مجدداً على خط دعم الجيش… وعلي الطاهر تحت مزيد من الضربات

منذ ساعة

من الصحف

باريس مجدداً على خط دعم الجيش… وعلي الطاهر تحت مزيد من الضربات

الاحداث- كتبت صحيفة "الأنباء" الالكترونية: ليس تفصيلاً أن تأتي الدعوة الفرنسية الجديدة إلى دعم الجيش اللبناني في لحظة يزداد فيها الضغط على لبنان من الجنوب، وتتسارع فيها التحضيرات لمرحلة ما بعد "اليونيفيل"، فيما لا تزال الدولة تخوض معركة استعادة قرارها السيادي على كامل أراضيها، التي يعرقلها الاحتلال الإسرائيلي. فالدعوة التي وجّهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون للمشاركة في اجتماع تحضيري في باريس في 17 أيلول المقبل، تمهيداً لمؤتمر دولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، تعيد هذا الملف إلى الواجهة بعد تأجيل المؤتمر الذي كان مقرراً في آذار الماضي بسبب اندلاع الحرب الإقليمية. وسيجمع الاجتماع المرتقب وفوداً عسكرية وخبراء وممثلين عن دول ومنظمات دولية.

والأهمية السياسية لهذا التحرك الفرنسي لا تكمن في المساعدات العسكرية وحدها، بل في السؤال الأكبر: أي جيش يحتاج اليه لبنان في المرحلة المقبلة؟ فالجيش لم يعد مطلوباً منه فقط حفظ الأمن الداخلي، بل الانتشار على الحدود، وضبط المعابر، ومكافحة التهريب، وحماية المنشآت، وتوسيع حضوره في الجنوب، والتحضير لتولي مسؤوليات كانت "اليونيفيل" تضطلع بجزء أساسي منها. لذلك، فإن إعادة إطلاق مؤتمر الدعم في هذا التوقيت تبدو أقرب إلى استثمار دولي في الدولة اللبنانية نفسها، وليس مجرد برنامج تسليح. وسبق أن أكدت مجموعة دول أوروبية استعدادها للمشاركة في مؤتمر دعم الجيش، باعتبار أن تعزيز القوات اللبنانية شرط أساسي لكي تصبح مؤسسات الدولة الضامن المستقل للسيادة اللبنانية.

ومن هنا تكتسب زيارة الرئيس عون إلى إيطاليا أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي. فلبنان يدخل عملياً مرحلة العدّ العكسي لمهمة "اليونيفيل"، بعدما قرر مجلس الأمن أن يكون تمديد ولايتها حتى 31 كانون الأول 2026 هو التمديد الأخير، على أن تبدأ بعدها عملية انسحاب تدريجية ومنظمة خلال عام، بهدف أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في الجنوب.

وفي هذا السياق، يصبح البحث مع روما في مستقبل الوجود الدولي في الجنوب، وفي آليات التحقق من انتشار الجيش وتنفيذ مهماته، جزءاً من معركة تثبيت الاستقرار لا مناقشة تقنية حول مصير قوة أممية. وليس صدفة أن تترافق زيارة عون مع تسليم "اليونيفيل" موقعاً في منطقة الخردلي إلى اللواء السابع في الجيش اللبناني، في خطوة تعكس بدء الانتقال العملي للمسؤوليات من القوة الدولية إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية.

لكن المفارقة اللبنانية القاسية أن الدولة تستعد لتوسيع مسؤوليات الجيش في الوقت الذي تتعرض فيه المناطق التي يفترض أن ينتشر فيها إلى اعتداءات إسرائيلية متصاعدة. فمرتفعات علي الطاهر تحولت إلى عنوان جديد للمواجهة. القصف والغارات والتفجيرات حولها، وصولاً إلى التحركات العسكرية الإسرائيلية قرب ميس الجبل وحولا وطلوسة ومركبا والمنصوري ووادي السلوقي والحجير، توحي بأن إسرائيل لا تتعامل مع المنطقة كملف أمني عابر، بل كجزء من إعادة رسم قواعد الانتشار جنوباً. وقد سجل أمس الخميس تصعيد واسع حول علي الطاهر والدبشة والنبطية الفوقا ومناطق أخرى، وسط مؤشرات على محاولة إسرائيل فرض واقع ميداني جديد.

وليس التصعيد حول علي الطاهر منفصلاً عن مسار أوسع من الضغوط التي تتقاطع فيها الجبهة العسكرية مع الجبهة المالية والسياسية. فبالتزامن مع القصف الإسرائيلي والتحركات العسكرية جنوباً، أعلنت واشنطن أمس حزمة جديدة من العقوبات تستهدف "حزب الله"، شملت عشرة أشخاص قالت وزارة الخزانة الأميركية إنهم يشكلون شبكة لنقل الأموال النقدية إلى الحزب عبر رحلات جوية تجارية بين لبنان وتركيا وإيران ودول أخرى، وبمبالغ قد تصل إلى مئات ملايين الدولارات. والأكثر دلالة أن واشنطن أعادت تصنيف الحزب بموجب الأمر التنفيذي 13224، على أساس ما وصفته بعمله لصالح النظام الإيراني وتحت قيادة "فيلق القدس".

وتكشف هذه الخطوة أن الضغط على الحزب لم يعد محصوراً في محاولة الحد من قدرته العسكرية، بل بات يستهدف أيضاً شرايين تمويله وحركته المالية، في وقت تتصاعد فيه المواجهة حول علي الطاهر. ومن هنا يصعب فصل التطورين عن بعضهما: إسرائيل تحاول، عبر الضغط الميداني، إعادة فرض قواعد جديدة للانتشار في الجنوب، فيما تعمل واشنطن على تضييق قدرة الحزب على إعادة بناء موارده وشبكاته المالية. وفي المقابل، فإن وضع هذه التطورات في سياق واحد يضع لبنان أمام معادلة شديدة الحساسية: فكلما ارتفع منسوب الضغط على الحزب، ارتفعت احتمالات أن يصبح الجنوب ساحة لاختبار القوة بينه وبين إسرائيل، فيما تجد الدولة والجيش نفسيهما أمام مسؤولية منع تحوّل هذا الاختبار إلى حرب مفتوحة أو إلى واقع ميداني تفرضه إسرائيل بالقوة.

والخطورة هنا أن الضغوط الأميركية والإسرائيلية، وإن اختلفت أدواتها وأهدافها المباشرة، تلتقي عند محاولة تغيير البيئة التي يتحرك فيها الحزب، عسكرياً ومالياً. وهذا ما يجعل أي تطور في علي الطاهر أكثر من حادث أمني موضعي؛ فهو يقع عند تقاطع مشروعين متوازيين: مشروع لبناني يفترض أن تستعيد الدولة تدريجياً مسؤولياتها السيادية والأمنية، وضغط إسرائيلي يريد فرض ترتيباته الخاصة بالقوة، فيما يُضاف إليهما ضغط أميركي متصاعد يستهدف مصادر تمويل الحزب وصلاته الإقليمية. وفي هذه المساحة الضيقة تحديداً، سيكون الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على حماية سيادتها من دون أن تتحول إلى طرف في مواجهة لا تملك قرارها ولا قدرة تحمل نتائجها.

ولعل الأخطر أن التصعيد الإسرائيلي لا يقتصر على لبنان. فالضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور في سوريا فتحت باباً جديداً من التوتر مع تركيا، بعدما حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الرئيس رجب طيب أردوغان من "مغامرات خطيرة" في سوريا، داعياً إياه إلى عدم اختبار تصميم إسرائيل. أنقرة ردت بإدانة الضربة، فيما نفت دمشق وجود خطة لإقامة قاعدة تركية في الموقع.

هذه اللغة ليست عادية. فانتقال التهديد الإسرائيلي من دمشق إلى أنقرة يعني أن الساحة السورية قد تتحول إلى نقطة احتكاك بين قوتين إقليميتين كبيرتين، بما يهدد مسار التهدئة الذي كان يجري العمل عليه. والأخطر أن لبنان، الذي يدفع أصلاً ثمن التوتر الإسرائيلي، لا يستطيع أن يكون بمنأى عن تداعيات أي انفجار جديد في سوريا.

في المقابل، جاءت زيارة الرئيس عون إلى الفاتيكان لتؤكد أن لبنان يتحرك دبلوماسياً بالتوازي مع التحرك الأمني. وقد حمل إلى البابا لاوون الرابع عشر مطلباً واضحاً بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية وتنفيذ "صيغة الإطار". والأهم أن الفاتيكان نفسه عبّر عن "قلق عميق" من الصعوبات التي تواجه تنفيذ الاتفاق الأميركي- اللبناني-الإسرائيلي. وهذه إشارة مهمة إلى أن المشكلة لم تعد في صياغة الاتفاقات، بل في القدرة على إلزام إسرائيل بتنفيذها.

أما على الضفة الأميركية-الإيرانية، فإن واشنطن تواصل رفع سقف المواجهة الاقتصادية. وأعلن الرئيس دونالد ترامب ما وصفه بـ"عملية اقتصادية ساحقة" ضد إيران، محذراً حتى الدول والشركات والمؤسسات التي توفر لها "شريان حياة" اقتصادياً من عواقب كبيرة. وردت طهران بأن الضغوط الجديدة لن تحقق أهدافها. ومع استمرار أزمة مضيق هرمز، يبدو أن الحرب تنتقل تدريجياً من الميدان العسكري إلى الاقتصاد والطاقة والتجارة العالمية.

وفي خضم هذا المشهد، ثمة خبر لبناني يستحق التوقف عنده بإيجابية: زيارة السفير السعودي فهد الدوسري إلى معبر المصنع، بالتزامن مع بدء استئناف الصادرات اللبنانية البرية إلى المملكة وتشغيل جهاز "سكانر" حديث لتعزيز الرقابة على الشاحنات. والأهم من التقنية هو ما قاله السفير السعودي بوضوح: "لنا ثقة بالدولة اللبنانية"، مؤكداً وقوف المملكة إلى جانب لبنان لاستعادة سيادته على كامل أراضيه.

إنها رسالة سياسية واقتصادية في آن: الثقة العربية بلبنان يمكن أن تعود عندما تثبت الدولة قدرتها على حماية حدودها وضبط معابرها ومنع التهريب وحماية مصالح شركائها. وما جرى في المصنع نموذج لما يجب أن تكون عليه المرحلة المقبلة: دولة تضبط حدودها، ومؤسسات تعمل، وعلاقات عربية تستعيد عافيتها، واقتصاد يخرج تدريجياً من العزلة.

وفي الاتجاه نفسه، يشكل تسليم اللواء السوري السابق عادل عيسى إلى السلطات السورية وبدء التحقيق معه تطوراً مهماً في العلاقات اللبنانية-السورية وفي مسار الملاحقات القضائية لمرتكبي الانتهاكات خلال عهد النظام السابق. فالقضية، بعيداً من أي استثمار سياسي، يجب أن تبقى في إطار القضاء والقانون، بما يحفظ حق الضحايا ويؤسس لعلاقة جديدة بين بيروت ودمشق قوامها المؤسسات والاتفاقات لا الحسابات الفئوية.

بين باريس وروما والفاتيكان والمصنع والجنوب، تبدو صورة لبنان واضحة: الدولة تتحرك لاستعادة دورها، لكن الطريق ما زال محفوفاً بالاختبارات. المطلوب اليوم ألا يتحول دعم الجيش إلى عنوان دولي بلا مضمون، وألا تتحول عملية تسليم "اليونيفيل" مواقعها إلى فراغ أمني، وألا يسمح لإسرائيل بأن تجعل من الجنوب مساحة مفتوحة لفرض الوقائع بالقوة.

لبنان يحتاج إلى حماية سيادته بقدر حاجته إلى تثبيت أمنه واقتصاده. وهذه المعادلة لن تتحقق بالشعارات، بل بجيش قوي، وحدود مضبوطة، وعلاقات عربية ودولية متوازنة، ودبلوماسية قادرة على حشد الضغط الدولي، وقبل ذلك كله قرار لبناني واضح بأن الدولة هي صاحبة القرار في الحرب والسلم. فالمرحلة المقبلة لن تختبر قدرة لبنان على الصمود فقط، بل ستختبر قدرته على أن يكون دولة كاملة السيادة بالفعل.