الاحداث- كتبت صحيفة الجمهورية تقول: تصادف اليوم ذكرى الزلزال الكبير الذي ضرب مرفأ بيروت قبل 6 سنوات، والآلاف من الشهداء والجرحى الذين سقطوا في هذه الجريمة، لا يزالون ينتظرون جلاء الحقيقة، ويحثون المعنيين بهذه المسألة على التحلّي بجرأة اتخاذ القرار، والتحلّل من أي ضغوط أياً كان مصدرها، وإنزال العقوبة الأشدّ بالمجرمين الذين ما زالو متفلتين من العقاب.
وتأتي هذه الذكرى المشؤومة، ولبنان يصارع أزمة صعبة، ومعاناة اجتماعية واقتصادية، ووضع سياسي هش، ووضع أمني محكوم باعتداءات إسرائيلية وعمليات نسف متواصلة للمناطق الجنوبية، ويخوض حرباً ديبلوماسية صعبة لتأكيد استقلاله واسترداد سيادته. وفي سياقها يدخل لبنان اليوم جولة جديدة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل على مدى ثلاثة أيام في العاصمة الإيطالية، وفي جعبته الثوابت الإجماعية التي يتصدّرها تحقيق الانسحاب الإسرائيلي إلى الحدود الدولية، وفق الآلية المنصوص عليها في صيغة الإطار، وضرورة إلزام إسرائيل بوقف المماطلة وإنفاذ مندرجاتها، ولاسيما في ما خصّ المناطق التجريبية التي يشدّد لبنان على توسيع نطاقها إلى جنوب الليطاني.
عون: تحقيق العداية
في ذكرى تفجير المرفأ قال رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون: «في مثل هذا اليوم من كل عام، يقف لبنان كله أمام جرح لم يُشفَ، وذاكرة لم تنطفئ، نستعيد هول تلك اللحظة التي اهتزت فيها بيروت من الأعماق، حين تحوّل المرفأ، شريان الحياة والاقتصاد، إلى مسرح لمأساة لم يشهد تاريخنا الحديث لها مثيلاً. كانت لحظة انفجار غيّرت وجه العاصمة، وحصدت أرواحاً بريئة، وخلّفت جرحى بالمئات، ودماراً طال الحجر قبل أن يطال القلوب».
وأضاف: «نتذكر اليوم كل شهيد سقط ظلماً، وكل عائلة تنتظر منذ سنوات جواباً يستحق التضحية التي قدّمتها. نتذكر الأطفال الذين حُرموا أحضان آبائهم وأمهاتهم، والأمهات اللواتي ما زلن ينتظرن العدالة أكثر مما ينتظرن الزمن أن يمحو الألم. هذه الذكرى ليست مجرد محطة للحداد، بل هي تذكير دائم بواجب لا يسقط بالتقادم: واجب الحقيقة والعدالة والمحاسبة. فالجرح لن يندمل، والوطن لن يستعيد ثقته بمؤسساته، ما لم تُستكمل مسيرة العدالة إلى نهايتها».
وأكّد عون أنّ «صدور القرار الظني عن المحقق العدلي بات ضرورة لا تحتمل مزيداً من الانتظار. فالعدالة لا تعني الانتقام، بل تعني إحقاق الحق، وكشف الحقيقة كاملة غير منقوصة، ومحاسبة كل من تقاعس أو قصّر أو تسبب بهذه الكارثة، أياً كان موقعه أو صفته. فلا العدالة تُجزّأ، ولا القانون يُستثنى أحد من سلطانه». وقال: «القضاء اللبناني مدعوّ اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إثبات استقلاليته وقدرته على إنصاف الضحايا، فالقرار الظني ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو حق للشهداء على الأحياء، وحق لأهاليهم الذين انتظروا طويلاً كي ترتاح نفوس أبنائهم، وتتوقف معاناتهم عند حدود المعرفة الكاملة بالحقيقة».
وختم بالقول: «إننا، إذ نقف اليوم أمام هذه الذكرى الأليمة، نجدد العهد بأنّ دولة القانون هي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار هذه المأساة، وأنّ لبنان الذي عرف الصمود في أحلك الظروف، قادر على أن يخرج من محنته أقوى، متى تحققت العدالة كاملة، ومتى شعر كل مواطن أنّ دمه وكرامته مصانان أمام القانون. فلترقد أرواح الشهداء الطاهرة بسلام، ولتُلهمنا ذكراهم عزيمة لا تلين في السعي نحو الحقيقة والعدالة، حتى يطمئن قلب كل أم، وتهدأ روح كل شهيد، ويستعيد لبنان، بمؤسساته ودولته، صورته التي يستحقها بين الأمم».
وهذا الموضوع تناوله رئيس الحكومة في الجلسة الوزارية في السراي أمس، حيث أشار إلى وجود انتظار وترقّب لصدور القرار الإتهامي، «إن شاء الله، في غضون شهور معدودة»، معتبرًا أنّ «الوضع تغيّر في ظل العهد الحالي وولاية الحكومة، ولم تعد هناك عراقيل قضائية، وقد أُزيلت أمام التحقيق، مع التأكيد على احترام مبدأ الفصل بين السلطات واستقلالية السلطة القضائية».
جولة المفاوضات
على صعيد المفاوضات، تستضيف روما بدءاً من اليوم، وعلى مدى ثلاثة ايام جولة مفاوضات مباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي في حضور الراعي الأميركي.
بحسب المعلومات، فإنّ لبنان ذاهب إلى هذه الجولة حاملاً مجموعة الثوابت التي من شأنها أن تسرّع بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، أولها، تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة برغم توقيع صيغة الإطار. إضافة إلى وقف الاعتداءات التي تطاول الجيش اللبناني، على ما حصل في زوطر والمنصوري، وغيرهما من المناطق. والثاني، توسيع المرحلة الثانية من المناطق التجريبية بما يستوجب انسحابات إسرائيلية جديدة بدءاً من زوطر الشرقية، إضافة إلى قرى وبلدات أخرى محتلة في منطقة جنوب الليطاني. الثالث، الوقف الفوري للتدمير الممنهج وتجريف وإحراق منازل البلدات والقرى الجنوبية المحتلة. (يُشار هنا إلى اتصالات دولية مكثفة يجريها كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، سواء عبر آلية المراقبة أو مع الدول الصديقة والشقيقة حول العالم، لحشد الدعم الدولي من أجل وقف هذه الاعتداءات، ولاسيما التفجيرات التي تنفّذها قوات الاحتلال الإسرائيلي).
وكانت المنطقة الجنوبية، قد بقيت في الساعات الأخيرة عرضة لاعتداءات اسرائيلية واسعة، وعمليات حرق ونسف وتفجير عنيفة في أكثر من منطقة جنوب الليطاني، بالتوازي مع تحليق مكثّف للطيران المسيّر في الأجواء اللبنانية بدءاً من الجنوب وصولاً إلى أجواء الضاحية الجنوبية.
استبعاد الإيجابيات
على أنّ الأجواء السابقة لهذه الجولة لا تشي بخروقات إيجابية متوقعة، جراء ما اكّدت عليه مصادر معنية مباشرة بهذه المفاوضات، المماطلة الإسرائيلية في ما خصّ المناطق التجريبية، ورفض الانسحاب من مناطق إضافية، مشيرة إلى انّ الطابع الجوهري لهذه الاجتماعات، مرتبط بمسائل تقنية لم تكشف ماهيتها، علماً انّ واشنطن اكّدت انّها راغبة في أن تفضي هذه الجولة إلى تشكيل لجان فنية، تركّز بصورة أساسية على الدفع لتنفيذ صيغة الإطار.
وفيما اكّدت المصادر عينها، أنّ حصول اتفاق في جولة روما الحالية على تحقيق انسحابات إسرائيلية جديدة من مناطق جنوب الليطاني احتمال ضعيف جداً، أبلغ مصدر رسمي مسؤول إلى «الجمهورية» قوله «إنّ الحديث عن تفاؤل حول تحقيق اختراقات إيجابية، لا يبدو واقعياً في هذه المرحلة، والمسؤولية تقع على إسرائيل، التي لم تبد حتى الآن، احتراماً لصيغة الإطار منذ توقيعها او التزاماً حقيقياً بمندرجاتها، بل تتعمّد الإساءة لهذه الصيغة، واستهدافها بصورة مباشرة عبر الاعتداءات اليومية وعمليات النسف والتجريف لقرى الجنوب». وقال: «الأمر متروك للجانب الأميركي، الذي يتولّى التواصل المباشر مع الإسرائيليين، لناحية تسهيل تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه».
وعمّا إذا استمرت إسرائيل في اعتداءاتها وعمليات النسف والتفجير، قال: «إسرائيل بذلك تبقي عوامل التصعيد قائمة، وتهدّد بالدرجة مسار صيغة الإطار وتخلّ بكل الالتزامات. ولبنان مع استمرار هذا المنحى، سيكون له الموقف المناسب، وكما قال رئيس الجمهورية، فإنّ لبنان الملتزم بشكل نهائي بصيغة الإطار وما توجبه من التزامات، لا يستطيع أن يسكت على استمرار إسرائيل في اعتداءاتها وتفجيراتها للقرى الجنوبية».
واشنطن لاتفاق على آلية
وفي السياق نفسه، كرّر رئيس الحكومة التأكيد على سعي لبنان (في المفاوضات) إلى انسحابات إسرائيلية متتالية من الأراضي اللبنانية وصولًا إلى الانسحاب الكامل من لبنان. على انّ البارز في هذا السياق، موقف لافت للسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، الذي قال في تصريح عشية جولة المفاوضات: «يسعدني أنّ المحادثات في روما لا تزال مستمرة، وآمل أن تنجح الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية في التوصل إلى نتائج إيجابية»، موضحاً أنّه «لا يزال هناك قدر كبير من العمل التقني المطلوب لضمان سلامة المدنيين على الأرض».
وأشار إلى أنّ «هناك فرقاً جوهرياً بين صياغة اتفاق على الورق وتنفيذه بمسؤولية، إذ إنّ التسرّع في المضي قدمًا قد يعرّض المدنيين، الذين تهدف هذه العملية إلى حمايتهم، للخطر»، قائلاً: «نحن نؤمن أنّ تخصيص الوقت اللازم لإنجاز هذا العمل بالشكل الصحيح منذ البداية هو الخيار الأمثل، إذ سيسهم ذلك في تمكين المناطق التجريبية اللاحقة من الانطلاق بكفاءة أكبر». وشدّد أخيراً على أنّه «فوق كل اعتبار، ينبغي أن يتفق الجانبان على آلية واضحة وعملية قبل الشروع في المرحلة التالية».
الوضع الإقليمي
إقليمياً، السؤال الذي يفرض نفسه بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء ما سمّاه «الهجوم الشديد القسوة» على إيران: هل يؤسّس هذا الإلغاء لبدء مرحلة تغليب التفاهمات بين الجانبين الأميركي والإيراني، والدفع بالمنطقة في الإتجاه المعاكس للتصعيد، أم أنّه لا يعدو أكثر من استراحة محارب موقتة، يُستأنف بعدها الانحدار نحو مواجهة أكثر شدّة واتساعاً مما سبقها؟ وفق تقديرات المتابعين والمحللين، فإنّه «بناءً على سلسلة التجارب السابقة بينهما، بما فيها من هدنات هشة وإخفاقات تفاوضية ، من الصعب التكهّن بمآلات الأمور أو ترجيح فرضية أنّ واشنطن وطهران قرّرا مساراً جدّياً نحو تفاهم أكثر صلابة من مذكرة التفاهم التي أغرقتها المواجهة الأخيرة في مضيق هرمز. وتبعاً لذلك، فإنّ الإحتمالات والمفاجآت السلبيّة تبقى الأكثر ترجيحاً حتى يثبت العكس».
وبحسب هذه التقديرات، فإنّ وضوح الصورة هو مسألة أيام قليلة، حيث تتحدّد الوجهة أكان نحو الإنحدار إلى التصعيد من جديد، ووضع المنطقة على شفير تحوّلات ومتغيّرات واحتمالات صعبة تفاقم بدورها المخاوف من اختناق عالمي مالي واقتصادي ونفطي، أو نحو الشراكة في التبريد وتدارك الأزمة الكبرى، وإعادة وضع القطار الأميركي- الإيراني على سكّة التفاوض حول الاتفاق النهائي.
جهود الوسطاء
وعلى ما تفيد معلومات ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، فإنّ «مبادرة الرئيس ترامب إلى إلغاء الهجوم على إيران، فتح نافذة لخيار التفاهم بين الجانبين، والتعويل في هذا الجانب، هو على جهود الوسطاء». وبحسب هذه المعلومات «فإنّ الجهود منصّبة على بلورة تفاهم ما او اتفاق ما حول مضيق هرمز، ومن شأن ذلك – إن حصل – أن يزيل من الطريق العائق الأساس أمام انطلاق مفاوضات الاتفاق النهائي، وخصوصاً انّ الوقت يمضي ومهلة الـ60 يوماً لبلوغ اتفاق حول النووي، المنصوص عليها في مذكرة التفاهم الموقّعة منتصف حزيران الفائت باتت على مسافة أقل من اسبوعين من انتهائها، ما يجعل الطرفين أمام حتمية الاتفاق على تمديد إضافي لهذه المهلة».
وتلحظ المعلومات عينها، أنّه «إن تمّ تجاوز العقد الراهنة المتعلقة بمضيق هرمز، فذلك يعني انّ مسار التفاوض حول البرنامج النووي يصبح مفتوحاً، ولكن حتى ولو فُتح هذا المسار، فثمة صعوبة بالغة تعترض بلوغه الإيجابيات المرجوة، وتتجلّى في انعدام الثقة بين الجانبين، التي لا تزال تصعّب بلوغ تفاهم حول مضيق هرمز، فكيف بالنسبة إلى الملف الأساس المتعلق بالنووي وأرصدة إيران ورفع العقوبات، حتى الآن يمكن القول انّ الامور شديدة الغموض».