Search Icon

"حزب الله " ومحللوه: المرجعية هي المأزق!

منذ 19 دقيقة

من الصحف

حزب الله  ومحللوه: المرجعية هي المأزق!

الاحداث- كتب فارس خشان في صحيفة النهار يقول:"لم يكن بيان "حزب الله" الذي تبرأ فيه من مواقف ومعلومات وتوقعات صدرت عن محللين طالما قدموا أنفسهم باعتبارهم قريبين من الحزب، مجرد إجراء إعلامي لتصحيح بعض المعلومات أو ضبط بعض المواقف.
 
في الشكل، هو نفي لما يقوله هؤلاء المحللون. أما في العمق، فهو تطور غير مألوف في الأداء الإعلامي للحزب، ويطرح سؤالاً أكبر من حدود العلاقة بين "حزب الله" والإعلاميين المقربين منه: من يتحدث باسم الحزب اليوم، ومن يملك فعلاً حق نقل مواقفه وتوقعاته؟
 
لطالما أدى المحللون المقربون من حزب الله وظيفة تتجاوز التحليل السياسي التقليدي. فقد ظهر بعضهم في مراحل مختلفة كقناة غير رسمية لإيصال رسائل الحزب، أو تسويق قرارات اتخذها، أو التمهيد لمواقف كان يستعد لإعلانها، أو حتى اختبار ردود الفعل على أفكار وخيارات لم يكن قد حسم موقفه منها بصورة نهائية. ولذلك لم تكن أهمية ما يقولونه نابعة فقط من آرائهم الشخصية، بل من الانطباع بأنهم يتحدثون من داخل دائرة المعرفة والقرار في الحزب.
 
من هنا، فإن انتقال الحزب إلى إعلان البراءة منهم ليس تفصيلاً عادياً. فهو يمثل تراجعاً عن أسلوب إعلامي اعتمد عليه طويلاً، ويجعل السؤال يتجاوز: لماذا أخطأ هؤلاء المحللون؟ إلى سؤال آخر أكثر دلالة: لماذا أصبح الحزب مضطراً إلى نفي مرجعيات كانت تُعتبر، ولو بصورة غير رسمية، قنوات لفهم ما يفكر فيه؟
 
الجواب، وفق معطيات تتداولها مصادر رسمية متعددة في لبنان، يرتبط بمشكلة أعمق: أزمة المرجعية داخل "حزب الله" نفسه. بعد اغتيال الأمين العام حسن نصرالله، لم يعد تركيب القرار داخل الحزب كما كان عليه في المرحلة السابقة. فقد تعددت مراكز النفوذ والمرجعيات، وتداخلت الاعتبارات التنظيمية والأمنية والسياسية والعسكرية، بحيث بات التعامل مع الحزب أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الجهات اللبنانية التي تحاول التفاهم معه.
 
وتقول مصادر رسمية إن إحدى المشكلات التي تواجهها الاتصالات مع الحزب تكمن في غياب مرجعية واحدة يمكن الاتفاق معها والاطمئنان إلى أن ما يتم التفاهم عليه سيبقى ثابتاً. فقد يحصل تفاهم مع جهة يُعتقد أنها تملك صلاحية القرار، ثم تظهر جهة أخرى تعترض عليه أو تعيد تفسيره أو تضع له حدوداً مختلفة.
 
وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد خلافات داخلية. فعندما تتعدد مراكز القرار، يصبح الخطاب الإعلامي نفسه انعكاساً لهذا الواقع: محلل ينقل ما فهمه من جهة، وآخر يتحدث انطلاقاً من جهة أخرى، وثالث يقدم توقعات مختلفة، فيما تبقى الحاجة قائمة إلى مرجعية قادرة على حسم ما هو موقف الحزب وما ليس موقفه.
 
ولذلك يمكن قراءة بيان التبرؤ باعتباره محاولة لضبط هذا الخلل، وليس فقط لضبط الإعلام. فالحزب يحاول رسم حدود لمن يحق له الكلام باسمه في مرحلة لم تعد فيها هذه الحدود واضحة كما كانت في السابق.

 
لكن هذه المشكلة لا تبدو قابلة للحل سريعاً، لأن العامل الإيراني حاضر بقوة في إعادة تشكيل القرار داخل الحزب. فطهران، وفق هذا التقدير، لا تبدو مستعدة في المرحلة الحالية للتخلي عن الإمساك بالقرار الاستراتيجي لـ"حزب الله"، خشية أن تؤدي الضغوط اللبنانية إلى دفعه نحو خيارات تفقد إيران جزءاً مهماً من قدرتها على استخدامه ورقة ضغط ومقايضة وتهديد.
 
وهذا يرتبط برؤية أوسع لدى إيران إلى شبكة نفوذها الإقليمية. فـ"حزب الله" ليس الورقة الوحيدة في هذه الاستراتيجية، التي تشمل الحوثيين في اليمن، بما لهم من تأثير على باب المندب، والفصائل والتنظيمات الموالية لها في العراق، وما تملكه من أدوار ومواقع يمكن أن تؤثر في حسابات مرتبطة بالسعودية وأربيل والأردن وغيرها.
 
وبالتالي، فإن الأولوية الإيرانية ليست بالضرورة إعادة ترتيب "حزب الله" كتنظيم لبناني مستقر ذي مرجعية واحدة، بل الحفاظ على قدرته ضمن شبكة النفوذ الإقليمية، بحيث يبقى قابلاً للاستخدام السياسي والأمني عندما تقتضي مصالح طهران ذلك.
 
وهنا تكمن المفارقة؛ فغياب المرجعية الواحدة قد يبدو من الخارج نقطة ضعف في الحزب، لكنه يمنح إيران في الوقت نفسه مساحة واسعة للمناورة. فكلما أصبح تحديد صاحب القرار أكثر صعوبة، صار التوصل إلى تفاهم نهائي أكثر تعقيداً، وأصبح من الممكن أن تتراجع جهة عن تفاهم أبرمته جهة أخرى أو تعيد تفسيره.
 
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الفوضى داخل الحزب مصطنعة بالكامل أو أنها تُدار بتفاصيلها من طهران. لكن استمرارها، في ظل عدم وجود اندفاعة إيرانية واضحة نحو إعادة إنتاج مرجعية موحدة، يخدم وظيفة سياسية واضحة: إبقاء القرار النهائي مرناً، ومنع إخضاع الحزب بالكامل لإيقاع الداخل اللبناني.
 
ومن هذه الزاوية، يصبح بيان التبرؤ من المحللين أكثر دلالة. فهو يكشف أن المشكلة لم تعد فقط في الرسائل التي يوجهها الحزب إلى الخارج، بل في القنوات التي يفترض أن تنقل هذه الرسائل. وما كان في السابق أداة لتسويق المواقف واختبارها بات اليوم مصدراً للالتباس يستدعي النفي.
 
لذلك، فإن بيان التبرؤ من المحللين ليس حادثة إعلامية عابرة، بل علامة على مأزق أعمق: حزب الله لم يعد يملك مرجعية داخلية واحدة تستطيع أن تتحدث باسمه وتُلزم سائر مراكزه ما تقول.