Search Icon

خسِر رياض سلامة وخسَّر لبنان... فهل ربح "شركاؤه"؟

منذ سنتين

من الصحف

خسِر رياض سلامة وخسَّر لبنان... فهل ربح شركاؤه؟

الاحداث- كتب سركيس نعوم في صحيفة النهار يقول:"بعد ثلاثة عشر يوماً تنتهي ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. طبعاً لم يدر في خلده يوماً أنه سيغادر منصبه المهم وهو متّهم إعلامياً وسياسياً وقضائياً، وإن من دون أحكام، بأنه مسؤولٌ مباشرةً عن انهيار العملة الوطنية، وعن إدارة عملية فساد واسعة في البلاد لمصلحة غالبية المنظومات السياسية الطائفية والمذهبية كما لمصلحته. ولم يخطر في باله بعد شهادات التقدير لإنجازاته التي "نزلت عليه متل الشتي" كما يُقال، أنه سيصبح في نظر أصحاب الودائع من مواطنيه اللبنانيين "الشيطان الرجيم" والمسؤول الأول عن الانهيار الذي خسَّرهم إيداعاتهم ومدّخراتهم في المصارف، وأنهم سيطلبون رأسه من جرّاء ارتكاباته في حقهم. كما لم يخطر في باله ثالثاً أن شركاءه في المنظومات السياسية الحاكمة والموجودة خارج الحكم في آن واحد سينقلبون عليه وسيطالبون بمحاسبته في أقصى سرعة من محاكم الخارج لا من محاكم الداخل التي لا حول لها ولا قوة من زمان بعدما صارت في إمرة قادة الطوائف والمذاهب وحتى محاكم الخارج. علماً بأنه صادر قرارات المصارف بموافقتها في مقابل المكاسب المالية الكبيرة التي أمّنها لها من دون أن تمارس عملها السليم، الأمر الذي أخّر حركة الاقتصاد والنموّ وجعله معها على طرفي نقيض، إذ إن كلاً منهما يحاول إنقاذ رأسه لا إنقاذ رؤوس المواطنين الذين وثقوا بالاثنين وأودعوهما أموالهم.

في هذا المجال لا بد من أن تكون خيبة الحاكم سلامة كبيرة. فالذين أشادوا به من الخارج على مدى سنوات تخلّى معظمهم عنه، والذين استفادوا من مخالفاته بعدما غطّوها له سياسياً وطائفياً ومذهبياً وبعدما قبض كثيرون منهم "حقّها" كما يُقال لم يعودوا قادرين على إنقاذه. كما لم يعودوا قادرين على إيجاد مخرج هادئ له. فضلاً عن أنه قد لا يستطيع أن يستعمل "دفتر مذكراته" الدقيقة والوثائق التي تبرِّئه أو على الأقلّ تدين معه الآخرين داخل البلاد وخارجها كما قد لا يستطيع التهديد بنشرها أو نشرها نظراً الى الضرر الذي سيُصيب الكثيرين في الخارج والداخل معاً. ربما بذلك ينجو الذين ساعدهم الحاكم سلامة في الالتفاف على قوانين الداخل وعقوبات الخارج وفي الاستفادة الكبيرة منه مالياً، كما الذين وعدوه وهم كاذبون بجنة رئاسة الجمهورية. وهم كلّهم يتابعون تنعّمهم بأموال الدولة والمواطنين. أما الدول الكبرى والعظمى التي نسّق معها فإن ما يُسمّى (Raison d’etat) أي "سبب دولتي" لا بد أن يحول دون محاسبته بعدما أزكمت رائحة فساده الأنوف كما فساد شركائه الساعين الى القضاء عليه قبل انتشار رائحة فسادهم أيضاً. 

في اختصار، لا يعني ذلك أن سلامة غبيّ. فهو أشدُّ ذكاءً من غالبية الطبقة السياسية المتعدّدة الانتماء الطائفي والمذهبي. لكن الطمع في المنصب الأكبر في البلاد وفي المال والاقتناع بولاء الذين اشتراهم به وما أكثرهم، وبأن للدول الكبرى والصغرى أصدقاء وحلفاء، لكن ذلك أوقعه وقرّبه من نهايات ثلاث أو أربع أي السجن أو القتل أو الموت من جرّاء الغمّ والحزن والإخفاق. طبعاً لا يمكن استبعاد بقاء سلامة على قيدة الحياة، و"الموقف هذا النهار" لا يتمنّى الموت لأحد، ولكن ذليلاً في بلاده رغم أن شعبه أو شعوبه كانت "غفورة" دوماً بسبب أخلاقها الرفيعة بل بسبب امتناعها منذ تأسيس الدولة عن المحاسبة أو بالأحرى تحوّلها أداة في أيدي قادتها وزعمائها الفاسدين بمعظمهم.

هذه المقدمة الطويلة مهمة لكن الأهم هو ماذا سيحصل في حاكمية مصرف لبنان؟ يجيب متابعون من قرب لحركة "الثنائي الشيعي" كما لحركة أعدائه الجدد والقدماء من أحزاب وشخصيات بالقول: "إن رئيسي مجلس النواب والحكومة نبيه بري ونجيب ميقاتي وآخرين كانوا مع تمديد جزئي لحاكمية سلامة لأسباب عدة منها براعته ومعرفته وقدراته "الذهنية المالية" ولأسباب أخرى يُستحسن عدم الخوض فيها. ذلك أن ذهابه الى بيته في نهاية 31 تموز الجاري أو الى أي مكان آخر سيفرض على نائبه الأول الشيعي وسيم منصوري تسلّم الحاكمية تطبيقاً لقانون النقد والتسليف. وهو كما زملاؤه في نيابة الحاكمية لا يمتلكون في نظر كثيرين (وإن غير مطلعين) المؤهّلات التي تمكنهم من معالجة ما ترك سلامة من مصائب لأسباب عدة قد يكون أبرزها أنهم مع أعضاء المجلس المركزي وسائر الموظفين الكبار في مصرف لبنان فوّضوا إليه عملياً ودائماً صلاحياتهم لثقتهم البالغة به أو لأسباب أخرى. لكن بقاء سلامة في موقعه صار بالغ الصعوبة وإن لوقت محدّد وكذلك انتخاب بديل منه لأن رئاسة الجمهورية شاغرة، ولأن حكومة ميقاتي تصرّف الأعمال. وذلك، مع أسباب إضافية، يعقّد التمديد كما يعقّد إبقاء سلامة مستشاراً لمنصوري الذي سيحلّ مكانه، علماً بأن استقالة نوّاب الحاكم ثم إقدام وزير المال على تكليفهم إدارياً متابعة مهماتهم أمرٌ لا يستقيم، إذ إن صلاحيات الوزير لا تخوّله ذلك. انطلاقاً من هذا الواقع صار شبه مؤكّد تسلّم منصوري المهمة التي تبدو مرعبة له وهي كذلك.
 
هل حصل منصوري في زيارته الأخيرة لواشنطن على تطمينات أميركية واستعداد لمساعدته في مهمته الجديدة الصعبة؟ المعلومات المتوافرة عند مرجعيات لبنانية متنوّعة تؤكد أن لا إعتراض أميركياً على تولّيه بالنيابة حاكمية مصرف لبنان. لكن من قابلهم في واشنطن وجّهوا إليه أسئلة كثيرة بعضها صعب بل بالغ الصعوبة مثل "ماذا ستفعل بمنصة صيرفة؟"، كما أنهم عدّدوا له مشكلات أخرى كثيرة مستعصية. فأدرك أن مهمته ستكون صعبة جداً، وعاد الى بيروت مصمّماً على رفض الحاكمية وإن بالنيابة. فأصدر مع زملائه النواب الآخرين موقفاً يؤكد ذلك وإن ضمناً. لكن يبدو أن لا مفرّ من تنفيذه صلاحياته بموجب قانون النقد والتسليف أي الحلول مكان سلامة بعد انتهاء ولايته. واللبنانيون يصلّون كي يعينه الله لأنهم يعرفون مكامن العجز عند البشر ولا سيما اللبنانيين منهم.