الاحداث - كتبَ د. ڤيكتور الزمتر*
يُنتظر أنْ يزورَ بنيامين نتنياهو واشنطن، أواسط الأسبوع القادم، بعد أنْ كانَ الموعدُ مُجدولاً ليوم الثامن عشر من الشهر الجاري.
يأتي تقريبُ الموعد، غداةَ انتهاء جولة التفاوض الأميركي الإيراني، يوم الجمعة الفائت، في مسقط، والتي وصفها الرئيس ترامب بأنَّها "جيّدة للغاية .. ويبدو أنَّ إيران تبدو عازمةً بشدَّةٍ على إبرام اتفاق".
ولعلَّ تقييمَ ترامب الإيجابي لجولة التفاوض الأخيرة، مُضافا إليها تشديدُ وزير خارجية إيران على أنَّ المحادثات ركَّزت تحديداً على الملف النووي، أرَّقا نومَ المسؤولين الإسرائيليين. فإسرائيلُ المُعتادة على خدمات الولايات المتحدة، في خوض حروبها العسكرية، نيابةً عنها، اشتمَّت أنَّ واشنطن قد تكون ميّالةً إلى الحلّ الدبلوماسي، المُقتصر على الملف النووي، ما استدعى مُسارعةَ نتنياهو إلى تقديم موعد زيارته إلى واشنطن.
صحيحٌ أنَّ تحييدَ استحواذ إيران على السلاح النووي يخدُمُ الأمنَ الإسرائيلي، إلّا أنَّه يبقى سلاحاً رادعاً، لا سلاحاً غبَّ الإستعمال، كسلاح الصواريخ الباليستية، الذي عانت منه إسرائيل في حربها على إيران، في حزيران المُنصرم.
أمرٌ آخرٌ يؤرِّقُ المسؤولين الإسرائيليين، وهو بقاء آخر بُؤَر العداء لإسرائيل، في منطقةٍ أضحت مُستسلمةً للقدر الإسرائيلي. وعليه، من مصلحة إسرائيل، في زمن سطوتها القاهرة، أنْ تُطفىءَ هذه البؤرةُ، من خلال اقتلاع النظام الإيراني، خَتْماً لحالة العداء ضدَّها.
من هنا، يرى نتنياهو عودةَ الحشود الأميركية أدراجها، دون إتمام معروفها المعهود تجاه إسرائيل، من خلال الإجهاز على نظام إيران الجريحة، محضُ غباءٍ! فتسريعَ الزيارة مدروسٌ بإحكامٍ، قُبيل انطلاق أعمال مؤتمر اللّوبي اليهودي "American Israël Public Affairs Committee"، المعروف اختصاراً ب "AIPAC"، في ١٨ من الشهر الجاري، والذي كان مُقرَّراً أنْ يحضُرَه نتنياهو شخصياً.
ومن نافل القول، أنَّ انعقادَ هذا المؤتمر، في سنة الإنتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، لا بُدٍّ أنْ يُغربلَ لائحةَ المرشَّحين لمجلسَيّ النواب والشيوخ، طبعاً، على قاعدة ولائهم لإسرائيل. إنَّ نتنياهو يُدركُ تماماً قيمةَ ورقة الضغط، التي يَبرعُ بالتلويح بها، على الجمهوريين والديمقراطيين، على السواء، في انتخاباتٍ يُنتظرُ أن تُؤشِّرَ إلى اتجاه الرياح السياسية للإدارة الأميركية، عام ٢٠٢٨.
وهذا هو العصبُ الحسّاس، الذي يُعوِّلُ عليه نتنياهو، لحمل ترامب على مهاجمة إيران والتخلُّص من برنامجيها النووي والصاروخي، نظراً لحاجته الماسَّة إلى دعم "AIPAC"، للحفاظ على أغلبية حزبه الضعيفة في الكونغرس. وإذا نجحَ نتنياهو بإقناع ترامب بشنِّ الحرب، على إيران، تكونُ قائمةُ الدول السبع قد اكتملَ عقدُها، على ما صرَّحَ به الجنرال الأميركي، "Wesley Clark"، عام ٢٠٠١، عن عزم الولايات المتحدة على شنَّ الحرب على سبع دُوَلٍ، بتحريضٍ من إسرائيل، وهي العراق، سوريا، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان وإيران.
وفي كلِّ حالٍ، تبدو استجابةُ طهران للمطالبة بتفكيك برنامجَيها، النووي والصاروخي الباليستي، فضلاً عن قطع أذرُعها، بمثابة ورقة استسلام، من الصعب تصوُّرُ تجرُّع سُمِّها، من قبل نظامٍ لا يزالُ ينبضُ بالحياة، وإنْ شابته شحوبُ الشيخوخة.
وبالقدر ذاته، هذا ما يُصعِّبُ الخيارَ على الرئيس ترامب، بين القبول بالمُستطاع الدبلوماسي، أو تجرُّع سُمِّ نتنياهو، والمخاطرة بمغامرةٍ غير مضمونة، مع ما يترتَّبُ على نتائجها من حواصل انتخابية.
وفي وقتٍ، يربطُ البعضُ تقديمَ موعد زيارة واشنطن، بهروب نتنياهو من تحقيقات الأسبوع الطالع، التي تلاحقه بتُهم الفساد والرشوة وسوء الأمانة، يُرجِّحُ البعضُ الآخرُ أنَّ التبكير بالزيارة، إنَّما هو لإشراك إسرائيل بسيناريو عسكري، حالَ انسداد الأُفُق الدبلوماسي.
وبانتظار ما ستؤولُ إليه التحرُّكاتُ الأميركيةُ والدسائسُ الإسرائيليةُ، فإنَّها ستُفضي، في حالتي الإتفاق أو الصدام، إلى فتح عيون الأميركيين، على محاذير الإستمرار بالتورُّط الأميركي الأعمى بدعم إسرائيل.
فمنذُ مأساة غزَّة، زادت الأصواتُ البرلمانيةُ والشعبيةُ والإعلاميةُ والعسكريةُ والفكريةُ الوازنةُ، بالخروج إلى العلن، بثقةٍ أكبر، تُقاربُ سياسةَ الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، من زاوية ارتداداتها على المصالح الأميركية، بقدر ارتداداتها على ما تدَّعيه من ريادةٍ، في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان.
إنَّه صراعٌ مفتوحٌ، على كلّ الإحتمالات، منذُ ما يقربُ من نصف قرنٍ، إلّا إنَّ اختلاط الأوراق الإقليمية والدولية تؤشِّرُ إلى أنَّه قد قارب خواتيمَه سلماً أو حرباً، حبَّذا أنْ يتمَّ الإحتكامُ إلى الرويَّة والتعقُّل، رحمةً بهذا الشرق المُعذَّب، على يد أهله، قبل خصومه.
*سفير سابق