الاحداث- كتبت صحيفة الشرق الاوسط تقول:"على الرغم من الحراك السياسي الذي يشهده البلد في الأسابيع الماضية، الذي قد يوحي للبعض بإمكانية أن يفضي لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، فإن التعقيدات الداخلية الكثيرة التي لا تزال قائمة تزيد من هواجس قسم كبير من اللبنانيين الذين يخشون تحليق سعر الصرف، فور مغادرة حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، منصبه مع انتهاء ولايته في 31 يوليو (تموز) المقبل.
ولم يتضح حتى الساعة المَخرج الذي ستعتمده القوى السياسية لتعيين بديل عن سلامة، خصوصاً في حال عدم انتخاب رئيس للبلاد، باعتبار أن عوائق قانونية قد تحُول حينها دون تمكنه من أداء مهامه إذا لم يحلف اليمين أمام الرئيس. وبعد إعلان رئيس البرلمان نبيه بري، صراحة، أنه طلب من النائب الأول للحاكم (الشيعي) وسيم منصوري، عدم تحمل المسؤولية بعد انتهاء ولاية سلامة، يجري التداول بمخارج قانونية قد تسمح لنائب الحاكم (الثاني) الدرزي بتولي مهامه، من دون أن يُحسم بعد ما إذا كانت القوى السياسية ستسير بسيناريو مثل هذا. لذلك يضغط بري لانتخاب رئيس قبل منتصف الشهر المقبل؛ ليتم تشكيل حكومة بسرعة تعيِّن حاكماً جديداً يلجم أي تحليق جديد لسعر الصرف.
وبدأ عدد من اللبنانيين باتخاذ تدابير احترازية لتفادي سيناريو انهيار جديد وكبير بسعر الصرف مع مغادرة سلامة، الممسك بالحاكمية منذ عام 1993. فهم توقفوا عن تحويل دولاراتهم إلى الليرة اللبنانية إلا بالقدر الذي يحتاجونه لشراء حاجات وخدمات أساسية، كما أن بعضهم عمد إلى تخزين بضائع بمدة صلاحية طويلة؛ خشية ارتفاع أسعارها أكثر، خصوصاً حاجات الأطفال والمواد الأساسية.
ويختلف جورج مبارك (70 عاماً) مع صديقه عبدو موسى (68 عاماً) حول مصير سعر الصرف، ففيما يؤكد الأول أن الاستقرار الذي يشهده سعر الصرف منذ أكثر من شهرين يسبق تحليقاً كبيراً، يرجح الثاني أن ينخفض أكثر، خصوصاً إذا تم انتخاب رئيس للبلاد يحظى بدعم دولي. ويقول مبارك لـ«الشرق الأوسط»: «أنا أحاول قدر الإمكان تجميع ما أمكنني من دولارات، كما اشتريت كميات كبيرة من الحليب، والأرز، والمعلبات، والأدوية التي أتناولها؛ لأن التجار سيعمدون لرفع أسعارها حتى ولو كان التسعير اليوم بمعظمه بالدولار».
ويعتبر الباحث في الشؤون الاقتصادية، الدكتور محمود جباعي، أن هواجس اللبنانيين لجهة تحليق سعر الصرف مجدداً في مكانها، «فالاستقرار النسبي الذي نشهده يعود لتدخل مصرف لبنان والحاكم، وللتعاميم التي يصدرها، وهو تمكن أخيراً من خفض سعر الصرف نحو 50 ألفاً، بعدما كان قد بلغ 143 ألفاً».
ويتحدث جباعي لـ«الشرق الأوسط» عن «مسارين قد يسلك سعر الصرف أحدهما، مرتبطين بأكثر من استحقاق، المسار الأول إيجابي إذا تمت الانتخابات الرئاسية قبل انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان نهاية يوليو، وتم الاتفاق على حاكم جديد ضمن اتفاق سياسي يحظى بدعم خارجي؛ ما سيؤدي حتماً لآثار إيجابية واستقرار نقدي لمرحلة معينة بانتظار الإصلاحات وطريقة إدارة السياسة المالية والنقدية بالمرحلة المقبلة».
ويضيف أن «المسار الثاني، وهو المسار الذي يخشاه اللبنانيون، فهو ألا تحصل الانتخابات الرئاسية وألا يتم التفاهم على تعيين حاكم جديد للمركزي، ورفض نائبه الأول الشيعي تسلم مهامه، ما يعني عندها فوضى نقدية خطيرة في ظل مجلس مركزي معطل، وغياب الرأس الذي أدار كامل العملية النقدية في المرحلة الماضية؛ ما سمح لمجموعة كبيرة من اللبنانيين بالاستفادة من التعاميم، وأدى لنوع من الحلحلة، لذلك الخشية من أن يؤدي هذا السيناريو لأزمة اجتماعية». ويخشى جباعي أيضاً من أن «يؤدي هذا السيناريو إلى انهيار كبير للقطاع المصرفي وتفلت كبير بسعر الصرف». ويشير إلى أن «كلفة تثبيت سعر الصرف عند حدود 95 ألفاً عالية، وتتراوح يومياً بين 15 و20 مليون دولار»، مقدراً خسائر «المركزي» بـ400 مليون دولار في شهر مارس (آذار)؛ نتيجة فرق سعر الصرف، مؤكداً أن «الحاكم لا يستعمل الاحتياط الإلزامي، إنما الدولار الذي يشتريه من السوق». ويضيف: «بنهاية المطاف الكلفة التي يتكبدها (المركزي) مبررة في ظل غياب الدولة، وعدم قدرتها على إنتاج أي مبلغ مالي نقدي عالٍ بالدولار لتأمين رواتبها وحاجات التشغيل».
ويرى جباعي أن الأنسب للبنانيين حالياً «المحافظة على دولاراتهم، وعدم المغامرة في مرحلة غير واضحة الأفق والمعالم»، معتبراً أن «الحل ليس سحرياً، ولا يستطيع أي حاكم جديد ابتداعه. فنحن بحاجة لسلة متكاملة بدعم داخلي وخارجي».