الاحداث- كتبت سلوى بعلبكي في صحيفة النهار تقول:"لا تخلو القرارات القضائية "الاتهامية" الموقتة بحق ستة وزراء اتصالات بمن فيهم الوزير الحالي، الصادرة عن غرفة القاضي عبد الرضى ناصر في ديوان المحاسبة، من الجرأة في مواجهة آفة الفساد. هذه القرارات التي تأتي في زمن العقوبات الدولية والتحقيقات الأوروبية في مواضيع الفساد وتبييض الأموال التي يخضع لها عدد غير قليل من المسؤولين اللبنانيين، تدفع الى السؤال عما إن كان القضاء الإداري اللبناني يتجه من خلال ديوان المحاسبة الى ملاقاة القضاء الأوروبي لإجراء محاسبة حقيقية لكل من تجرأ على "مد إيدو" للمال العام؟
الأمل لدى الشعب اللبناني معقود على بروز قضاة لبنانيين قادرين على المواجهة إلى "الآخر"، مواجهة الفاسدين مهما علا شأنهم، فهل يكون القاضي عبد الرضى ناصر أول الغيث في الوصول إلى الانتصار للحق العام في مواجهة لا تبدو سهلة على الإطلاق؟ وهل سيكمل القاضي ناصر مشواره في الأحكام بالرغم من الضغوط المتوقعة التي ستواجهه؟
القرارات التي أصدرها ناصر هي قرارات أولية، سيستكملها حتماً بقرارات نهائية بعد 60 يوماً تحدّد غرامات، إلا أن الغرامات بموجب القانون ضئيلة جداً ولا تناسب الجرائم المالية المقترفة، فهل سيصدر القاضي ناصر سندات تحصيل بالقيمة الفعلية للأموال المهدورة وهي بعشرات ملايين الدولارات وتطال الوزراء بمالهم الخاص؟ وهل سيكتفي بمحاكمة الوزراء أم تشمل قراراته كل من أسهم بهدر المال العام وفقاً لتقرير الديوان؟
تتخوّف مصادر مطلعة من أن "تحصل ضغوط كبيرة للاكتفاء بصدور قرارات نهائية يُغرَّم بموجبها الوزراء فقط دون إصدار سندات تحصيل بالأموال الفعلية، ودون شمول الموظفين"، إذ يلفت المصدر إلى أنه في موضوع استئجار مبنى قصابيان لم يوقّع العقد رئيس مجلس الإدارة/المدير العام لشركة تاتش، ربما لكونه غير محسوب على جهة سياسية نافذة. وتالياً، ووفقاً لتقرير ديوان المحاسبة، فقد أوعز المدير العام لشركة تاتش بكتاب رسمي الى عضوين في مجلس الإدارة محسوبين بالتوالي على التيار العوني وحركة أمل بالتوقيع على العقد كممثلين لشركة تاتش المملوكة من الدولة اللبنانية. وبناءً على ذلك، يضيف المصدر، بالنظر الى الانتماءات السياسية للوزراء الذين صدرت بحقهم الأحكام الأولية، تضاف إليها انتماءات الموظفين المرتكبين، يصبح ممثلو معظم أركان المنظومة الحاكمة في موقع الاتهام، بما قد يخلق ضغوطاً كبيرة على القاضي ناصر، فيما يبقى الأمل كبيراً بصموده البطولي إذا تحقق في هذه المواجهة".
الباحثة الدكتورة جوديت التيني توضح لـ"النهار" أن صدور القرارات الموقتة من ديوان المحاسبة، يمر بمرحلتين الأولى: إصدار القرارات الموقتة لإبلاغ الوزراء بالمخالفات المنسوبة لهم مع الطلب منهم بيان دفاعهم في مهلة لا يجب أن تقل عن 30 يوماً من تاريخ تبلّغ القرار وفقاً للمادة 71 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة وقد حددتها غرفة القاضي ناصر بـ60 يوماً للوزراء الستة، وهي مهلة ليست بقليلة برأي التيني، إذ تتيح ممارسة الوزراء حقهم في الدفاع بشكلٍ واسع ولا سيما إحضار الأوراق والمستندات اللازمة من الإدارات العامة وسائر الجهات لممارسة حقهم في الدفاع عن أنفسهم. المرحلة الثانية: تصدر فيها قرارات نهائية بالمخالفات وذلك بعد ورود دفاع الوزراء المعنيين أو انتهاء المهلة الممنوحة لهم لبيان دفاعهم، وتبتّ القرارات النهائية بمسؤولية الوزراء بصورة نهائية، وذلك إما بانتفاء المخالفة والكف عن ملاحقة الوزراء، وإما بثبوت المخالفة بحقهم وفرض الغرامات عليهم، أو بإعفائهم من العقوبة أو الحكم بوقف تنفيذها وفقاً لحالات حدّدتها المادة 62 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة، مثلاً إذا تبيّن للديوان أن ارتكاب المخالفة كانت من أجل تسيير المصالح العمومية أو بغاية تلافي ضرر أكيد قد يلحق بها. هذا يعني أن المادة 62 بأحكامها أعطت للديوان صلاحية واسعة في التقدير والتقرير لدى حكمه بالعقوبة في قراره النهائي.
وكان ديوان المحاسبة قد أصدر قراراً رقم 318 تاريخ 24/9/2020 برئاسة القاضي عبد الرضى ناصر وعضوية المستشارين نجوى الخوري وجوزيف الكسرواني بحق الوزير السابق للأشغال العامة والنقل محمد الصفدي وقضى بتغريمه بسبب مخالفة تلزيم جسور في منطقة البحصاص طرابلس. أهمية هذا القرار وفق التيني أنه القرار القضائي الأول الذي يصدر عن ديوان المحاسبة منذ تأسيسه ومباشرته لأعماله سنة 1951 والذي فيه يعلن الديوان عن اختصاصه في محاكمة الوزراء، إذ إن الديوان كان يعلن اختصاصه فقط لجهة الموظفين ومحاسبتهم، وكان يكتفي بالنسبة للوزراء بوضع تقارير عن مخالفاتهم ورفعها الى مجلس النواب سنداً الى المادة 64 من قانون تنظيم الديوان التي تنص على أن يحيط الديوان مجلس النواب علماً بالمخالفات التي ارتكبها الوزراء. وبنتيجة الطعن من الوزير الصفدي بقرار الديوان 318/2020 أمام مجلس شورى الدولة كمرجع لنقض قرارات ديوان المحاسبة، مدلياً بأسباب عدة أبرزها عدم اختصاص الديوان بمحاسبة الوزراء وحصر الاختصاص بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء سنداً للمادتين 70 و71 من الدستور، صادق مجلس القضايا في مجلس شورى الدولة بقراره رقم 492/2022-2023 تاريخ 27/4/2023 على قرار الديوان المذكور وبات قرار الديوان مبرماً... وأكثر، يمكن اعتباره قراراً مبدئياً arrêt de principe لما له من قوة إلزامية ومعنوية يُبنى عليها للمستقبل في محاسبة كافّة الوزراء عن مخالفات هدر المال العام التي يرتكبونها".
أما عن أسباب إعلان الديوان ما قبل اجتهاد سنة 2020 عدم اختصاصه لمحاكمة الوزراء؟ فتشير التيني الى "افتقار قانون تنظيم الديوان إلى نص يمنح له بشكل واضح وصريح هذه الصلاحية، وكان يعتبر أن إرادة المشرع اتجهت فقط بالنسبة للوزراء في ما تنص عليه المادة 64 من وضع تقرير ورفعه الى مجلس النواب ليمارس الأخير صلاحياته الدستورية تجاه الوزير المخالف". وذكرت أن قانون تنظيم الديوان كان جزءاً من قانون المحاسبة العمومية قبل أن يستقل عنه سنة 1959، وهكذا بنى اجتهاد غرفة القاضي ناصر لسنة 2020 على الجذور التاريخية للنصوص جامعاً في تحليله وتعليله عدداً من النصوص المتفرقة ليطلع بالنظرية الجديدة التي أعلنت فيها الغرفة اختصاص الديوان في محاكمة ومحاسبة الوزراء".
هل من سوابق اجتهادية لديوان المحاسبة؟ تشير التيني الى قرارات قضائية طالت الوزير محمد الصفدي سنة 2020 والوزيرين ميشال نجار ويوسف فنيانوس سنة 2021 وربما الآن سنة 2023 وزراء الاتصالات الستة إذا ما تثبّتت الغرفة القضائية من مخالفاتهم وإدانتهم، وهذا لم يحصل بعد، وفق ما تقول التيني.
ويسمح قانون تنظيم الديوان بفرض غرامات، ولكنها ضئيلة نسبة لحجم المخالفات، فهل من نائب يقدّم اقتراح قانون لتعديلها؟ الأمر بحاجة الى جرأة، برأي التيني. أما سندات التحصيل فهذه العقوبة تستند الى المادة 112 من قانون المحاسبة العمومية التي تنص على أنّ الوزير مسؤول شخصياً على أمواله الخاصة عن كل نفقة يعقدها متجاوزاً الاعتمادات المفتوحة لوزارته مع علمه بهذا التجاوز وكذلك عن كل تدبير يؤدّي الى زيادة النفقات التي تُصرف من الاعتمادات المذكورة إن كان هذا التدبير غير ناتج عن أحكام تشريعية سابقة.
يبقى السؤال عما إن كان ثمة تضارب في الصلاحية بين الاجتهاد الجديد والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء؟ تجيب التيني بالنفي لأن اختصاص كل من المجلس والديوان مختلف، ولأن الديوان هو محكمة مالية تستمدّ صلاحيتها من موضوع المخالفات الواقعة على المال العام ratione materiae. والوزير هو موظف إداري فهو رأس الهرم الإداري لوزارته أي لإدارته وهو له صفة الموظف الإداري الى جانب صفته السياسية سنداً إلى المادة 66 من الدستور، أما المجلس الأعلى فيختصّ بالمخالفات التي لها طابع جزائي ويتألف من قضاة جزاء، وحدّدت المادّتان 70 و71 من الدستور نطاق اختصاصه.