الاحداث- كتب ابراهيم بيرم في صحيفة النهار يقول:"عندما كان السؤال يوجَّه منذ فترة الى رموز من كتلة "اللقاء الديموقراطي" عن حقيقة موقف اللقاء ووعائه الحزبي من المستجدات الدراماتيكية التي دخلت اخيرا على خط الاستحقاق الرئاسي، كانت اجابتهم المباشرة: ننتظر المقابلة المتلفزة لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي #وليد جنبلاط، وهي المقابلة التي وعد بها من عين التينة في اعقاب زيارته للرئيس نبيه بري، فهي ستكون حتما فيصل الكلام.
وعليه، ظهر زعيم المختارة ليل اول من امس ليرسم صورة على قدر من النقاوة من ملف الاستحقاق الفارض نفسه بعناد على المشهد السياسي وما استجد منذ نحو سبعة اشهر من عناصر التبديل والتعديل على الموقف الاوّلي الذي اطلقه منذ انفتاح ابواب معركة ملء الشغور الرئاسي.
ومعلوم ان فاتحة هذا الموقف تبدّت في اللقاء السابق الذي عُقد بناءً على مبادرة منه مع وفد من قيادة "#حزب الله" (حسين الخليل ووفيق صفا) قبل ان يستكمله بلقاءات اجراها هو شخصيا مع كتل ومرجعيات وكلّف مساعدين استكمالها عبر زيارات قاموا بها لاحقا لآخرين.
وبناء على هذه المقدمات، فان فريق الثنائي الشيعي الذي ترقّب كما سواه تلك الاطلالة ليبني عليها، وجد فيها بحسب مصادر فيه، فصل الختام للمسار السياسي الذي بكّر جنبلاط في اطلاقه بشأن هذا الاستحقاق، وفتح للتو باباً امام مسار آخر من عناوينه العريضة:
- العودة الى قواعد الانطلاق الاولى والانكفاء عن اداء دور "بيضة القبان" الذي استشفّ البعض ان جنبلاط طامح للعودة الى لعبه مجددا كما في الاعوام الخوالي.
- انه رغم كل التداعيات والحسابات لا يستطيع جنبلاط ان يكون مطيّة لفريق الثنائي الشيعي لإيصال مرشحه الحصري لملء سدة الرئاسة الاولى.
- وفي الوقت عينه لن يمضي قدماً في خيارات المعارضة وتوجهاتها المبدئية، حتى وان كان الامر يقتضي منه التراجع عن لائحة الاسماء الثلاثية التي عرضها بداية على من يعنيهم الامر وسعى لتسويقها بكل جدية والمستقاة من فكرة رئيس توافقي لا رئيس فريق.
وبذا أسقط جنبلاط رهانين عقدهما كل من فريقي الصراع في الاستحقاق عليه ليكون الى جانب واحد منهما لترجّح كفة مرشحه ومشروعه.
وعلى نحو اكثر تفصيلا، فالمعلوم ان فريق "الثنائي" حرص مرارا خلال الاشهر القليلة الماضية على تسريب انطباع فحواه ان الصديق التاريخي لجنبلاط، اي الرئيس نبيه بري، قادر في اللحظة المفصلية على ان يأخذ منه تعهداً بالسير قدماً في خياره الرئاسي المعروف كليا او جزئيا عبر تقسيم اصوات تكتله نسجاً على تجربة والده الزعيم الراحل كمال جنبلاط في معركة انتخابات الرئاسة عام 1970.
وفي الوقت عينه، كانت مصادر الثنائي المسيحي (حزب "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر") تتحدث همساً عن ان جنبلاط هو "الاحتياطي الاستراتيجي لنا وسيكون في صفّنا عندما نتفق على تسمية مرشح واحد ننزل به الى المجلس النيابي لنتنازل عبره للمرشح الآخر انطلاقا من اعتبارين اثنين يهمّان جنبلاط: الاول انه سيكون مرشح الاكثرية المسيحية، والثاني انه سيكون مرشحا تنطبق عليه مواصفات المرشح التوافقي لا الاستفزازي".
وما يستند اليه اصحاب مقولة اعلان جنبلاط انه صار خارج حسابات طرفَي النزاع المحتدم، هو تجاهل جنبلاط في اطلالته الاخيرة اي ذكر لمرشحيه الثلاثة المعروفين، وإتيانه ثلاث مرات على ذكر ضرورة الذهاب نحو مرشح يأتي من الجوّ الحقوقي والدستوري، علما انه كرر اسم المحامي المعروف شبلي الملاط كشخصية تستحق ان تكون في قصر بعبدا.
وبناء على كل ما تقدم، تستنتج المصادر اياها ان الزعيم الاشتراكي قد قرر سلوك طريق التحول والانعطاف واطلق مقاربة جديدة للاستحقاق، في ضوء مستجدات اقليمية وداخلية لم تكن موجودة ولم يكن احد يقدّر حدوثها عندما خطا جنبلاط الخطوة الاولى في مساره المبدئي ومقاربته البكر لهذا الاستحقاق. وهي تتمثل بـ:
- عدم تجاوب "حزب الله" مع مبادرته الاولى تجاهه، وهو تحدث في هذا الاطار بلسان العاتب والخائب عن ان الحزب لم يكلف نفسه حتى عناء الرد على تلك المبادرة بالسلب او بالايجاب، اذ انه اتّبع طريقة "خرج ولم يعد".
- استمرار عصف الخلافات في صف المعارضة المسيحية ما منعها من الاجابة على تحدي الرئيس بري وفريقه لها عندما دعاها الى منازلة في المجلس بين مرشح تنتقيه وتصطفيه وبين المرشح الثابت عنده وهو سليمان فرنجية.
ومعلوم ايضا ان جنبلاط كان يتسلح في مواجهة دعوة "الثنائي" له لمشاركته الخيار الرئاسي بذريعة انه لا يمكنه تجاوز شركائه في الجبل وتحدي ارادتهم.
- اتفاق بكين وما حمله من مدلولات على مستوى الاقليم وما تلا ذلك من موقف سعودي مستجد اخرجه من حال التأويل والالتباس، وهو الموقف الذي نقله السفير السعودي وليد بخاري اخيرا والقائم على معادلة ان لا مرشح للسعودية تزكّيه ولا "فيتو" لها تضعه على اي مرشح آخر. والاكيد ان جنبلاط يدرك ان مثل هذا الموقف في هذا التوقيت بالذات هو حمّال اوجه وينطوي على مفاجآت وهو ما يستوجب منه الرويّة.
وثمة في فريق "الثنائي" من يقرأ في اطلالة جنبلاط خروجا اوليا على معادلة كان روّج لها سابقا وابلغها الى الرئيس بري الذي سرّبها وتقوم على اساس انه مهما كانت مآلات الاستحقاق الرئاسي فانه لن يعود الى مربع الصراع والاختلاف المتفجر مع "حزب الله".
ولقد تبدّت ارهاصات هذا التطور في كلام جنبلاط الصريح والذي ورد فيه انه "لا يشك بعروبة فرنجية، اما حزب الله فليس في طليعة المدافعين عن القضية العربية، وعندما ينهار المشروع العربي فان حزب الله يمتلك مشروعا آخر". فالحزب يعي تماما ان جنبلاط لا يعود الى استخدام هذه النبرة الحادة والمنطوية على استعداد للعودة الى زمن المنازلات السياسية الا اذا كان وضع نفسه في مرحلة اللايقين وعدم وضوح الصورة، وانه استطرادا بات يجد ان ثمة حاجة الى مَن يبدد شكوكه.
ولا تخفي تلك المصادر انها كانت تتوقع بلوغ جنبلاط مثل هذه المرحلة بعد اعادة سوريا الى الجامعة العربية وبعد انفتاح عواصم خليجية اساسية على النظام في دمشق. ورغم ذلك كله فان في عين التينة من يصرّ على ان ينظر الى الجانب المترع من الكوب ويقول: رغم السلبية البادية في بعض مندرجات اطلالة جنبلاط، فنحن قادرون على التمييز بين المضامين الجوهرية المسكوت عنها من خطاب جنبلاط وتلك المعلنة التي تقتضيها حاجات اللحظة وحساباتها.