الاحداث - شدد وزير التنمية الإدارية د. فادي مكي، في حديث إلى برنامج “حوارات السراي” الذي تقدّمه الزميلة ندى صليبا عبر “تلفزيون لبنان”، أن “الإصلاح الإداري يشكّل المدخل الأساسي للنهوض والتعافي الاقتصادي في لبنان”، معتبرًا أن “التنمية الإدارية هي حجر الأساس في أي عملية إصلاح شاملة ومستدامة”.
وشدّد على أن “الإصلاح المطلوب لا يمكن اختزاله بتغيير أشخاص أو أسماء، بل هو مسار طويل يتطلّب تغييرًا عميقًا في المنظومة الإدارية والتشريعية والمؤسساتية المعمول بها”.
وقال: “إن مفهوم الإصلاح الإداري يشمل إعادة النظر في طريقة عمل الإدارات العامة، وفي أساليب تقديم الخدمات والإجراءات المعتمدة، بالإضافة إلى إعادة تأهيل الموظفين وإعادة الاستثمار في قدراتهم وخبراتهم”. ولفت إلى أن “الأهم يتمثّل في إعادة إنتاج وتكوين إدارات ومؤسسات الدولة التي لم تعد قادرة على القيام بواجباتها أو مواكبة متطلبات العصر وأفضل الاتجاهات الحديثة في الإدارة العامة”.
وأوضح أن “عددًا كبيرًا من الإدارات والمؤسسات العامة في لبنان أُنشئ منذ أكثر من 60 إلى 65 عامًا، في ظل غياب التحديث والتطوير، ما أدّى إلى فوضى تشريعية وقانونية، وتضارب في الصلاحيات، وتداخل في الأدوار، فضلًا عن وجود قوانين قديمة لم تعد صالحة للتطبيق في الواقع الحالي”.
وأضاف: “إن الإدارة العامة تعاني من شغور كبير في الموارد البشرية، يصل في بعض الإدارات إلى أكثر من 80 في المئة، الأمر الذي انعكس عجزًا واضحًا في قدرتها على تنفيذ المهام المطلوبة منها”.
وأشار إلى أن “معالجة هذا الشغور لا يجب أن تقتصر على التوظيف وملء المراكز الفارغة، بل يجب أن تشكّل فرصة لإعادة تأسيس الإدارات وتحديد أدوارها بشكل واضح، سواء على مستوى رسم السياسات العامة، أو على مستوى الرقابة والتنظيم، أو على مستوى تقديم الخدمات للمواطنين”.
وأكد “أهمية إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني والأكاديميين في عملية الإصلاح، بما يجعلها أكثر علمية وواقعية، إلى جانب الدفع باتجاه التحول الرقمي لتخفيف الاحتكاك المباشر بين المواطن والإدارة العامة، وخلق فرص يمكن للقطاع الخاص أن يتولاها تحت إشراف الدولة ورقابتها”.
وفي ما يتعلق بالتحديات السياسية، أقرّ “بوجود تراكمات كبيرة تعود إلى سنوات طويلة، تشمل الطائفية والمحاصصة والمحسوبيات، بالإضافة إلى التداخل المزمن بين السياسة والإدارة العامة”. وأكد أن “الوزارة تعمل قدر الإمكان على تحييد الإدارة عن التجاذبات السياسية، عبر اعتماد آليات شفافة ونزيهة في التعيينات، والحد من الاستنسابية، وتخفيف التدخلات، بما يسمح للإدارة بالقيام بدورها المهني والمؤسساتي”.
وأوضح أن “آليات التعيين التي اعتُمدت في المرحلة الأخيرة شكّلت تحسّنًا نوعيًا مقارنة بما كان سائدًا سابقًا، حيث باتت تقوم على معايير واضحة وتقييم موضوعي للكفاءات، بالتعاون مع مجلس الخدمة المدنية، وصولًا إلى مقابلات شفوية مبنية على الجدارة”. وأشار إلى أن “الطائفية لا تزال تشكّل عائقًا، لا سيما في الوظائف القديمة، إلا أن الوزارة تسعى إلى تكريس مبدأ المداورة كلما أمكن، خصوصًا في الهيئات الناظمة الجديدة التي أُنشئت أخيرًا”.
وتحدّث مكي عن مشروع إعادة تكوين إدارات ومؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أن “المرحلة الأولى منه قامت على الاستماع، من خلال تنظيم أكثر من 80 جلسة حوارية مع مواطنين وموظفين وممثلين عن المجتمع المدني والقطاعين العام والخاص”. وقال: “إن هذه العملية أثمرت صياغة ما يُعرف بشرعة المواطن، التي تشكّل عقدًا اجتماعيًا وأخلاقيًا جديدًا يحدّد حقوق المواطن في علاقته مع الإدارة العامة، مثل إنجاز المعاملات من دون تمييز، وضمان الاستمرارية، واحترام الخصوصية، وتأمين حق الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة، والانتقال التدريجي نحو التحول الرقمي”.
وأوضح أن “الشرعة تضمّنت أيضًا تحديد حقوق الموظف العام، الذي عانى بدوره من غياب الموارد والإنصاف، بالإضافة إلى تحديد واجبات متبادلة بين المواطن والإدارة، بما يعزّز الثقة ويعيد بناء العلاقة بين الطرفين”. وأشار إلى أن “المرحلة الثانية من المشروع ستنطلق لإعادة الهيكلة، وتشمل إعادة النظر في الصلاحيات، وإلغاء أو دمج مؤسسات، واستحداث أخرى، إلى جانب تقييم شامل للموارد البشرية، بهدف إعادة توجيه الطاقات المتبقية والاستثمار فيها، مع إمكانية استقطاب كفاءات جديدة من الخارج”.
وأعلن “إطلاق مختبر الابتكار والعلوم السلوكية في وزارة التنمية الإدارية، بهدف مساعدة الإدارات العامة على إعادة تصميم الخدمات بطريقة حديثة ومبتكرة، وبإشراك المواطنين بشكل مباشر”. وأوضح أن “لبنان يضم نحو 2700 خدمة عامة تحتاج إلى إعادة هندسة قبل رقمنتها، وأن العمل سيبدأ بالخدمات ذات الأولوية العالية من حيث حجم الطلب وأهمية تحسينها والحد من الفساد”.
وشدّد على أهمية الاستمرارية، كاشفًا عن “العمل على إنشاء مكتب وطني لإدارة التحول يضمن متابعة الإصلاحات عبر الحكومات المتعاقبة، بالإضافة إلى إعداد سلّة تشريعية متكاملة تشمل مراسيم وقوانين ضرورية لإعادة هيكلة الدولة، بالتوازي مع السعي لتحويل وزارة التنمية الإدارية إلى وزارة منشأة بقانون، تضطلع بدور محوري في التخطيط ومتابعة الأداء وبناء إدارة عامة حديثة وفعّالة”.
وأكد أن “إعادة الإعمار تشكّل أولوية وطنية ستظهر نتائجها بشكل ملموس خلال الفترة المقبلة”، مشدّدًا على “ضرورة تناغم جهود الدولة مع القطاع الخاص ضمن إطار الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد”.
وأوضح أن “فريقَ عملٍ خاصًّا بالقطاع الخاص أُنشئ للمساهمة في تحديد مكامن الفساد ووضع آليات وقائية فعّالة”.
ولفت إلى أن “التحول الرقمي يشكّل ركنًا أساسيًا في هذا المسار، لما له من دور في تخفيف الاحتكاك بين المواطن والإدارة، والانتقال من المعاملات الورقية إلى الإلكترونية، ما يحدّ من الوساطات والعمولات ويغيّر السلوكيات في التعاطي مع الإدارات العامة”.
وأكد الوزير مكي أن “لبنان حصل على تمويل بقيمة 150 مليون دولار بعد موافقة مجلس إدارة البنك الدولي”، مشيرًا إلى أن “الاتفاقية في طريقها إلى مجلس النواب ويُتوقّع إقرارها سريعًا”. وأوضح أن “هذا التمويل يهدف إلى تأمين الأساسيات اللازمة للتحول الرقمي، لا سيما الاستثمار في البنى التحتية الرقمية التي تشكّل قاعدة لإعادة بناء الخدمات العامة وتقديمها بشكل عصري وفعّال”.
وشدّد على أن “أولوية المرحلة المقبلة تتمثل في إطلاق مشروع الهوية الرقمية، الذي يُعدّ حجر الأساس لإعادة إنتاج الخدمات الحكومية بشكل رقمي، بالإضافة إلى التوقيع الإلكتروني الذي سيساهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الثقة”. ولفت إلى أن “العمل جارٍ بالتعاون مع القطاع الخاص ضمن إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، للاستفادة من الخبرات الدولية”.
وختم بالتأكيد على أن “التحول الرقمي سيساهم في إعادة تنظيم القطاع العام وترشيقه، وتحسين جودة الخدمات، وتقليص التماس المباشر بين المواطن والإدارة، بما يعزّز الشفافية ويحدّ من الفساد”