الاحداث- كتبت سابين عويس في صحيفة النهار تقول:"أيّ سيناريو يحمله التحرّك الكثيف لنوّاب حاكم مصرف لبنان على مسافة أقل من أسبوعين من انتهاء ولايته، وأية أهداف أو خلفيات تتحكم بأداء هؤلاء الذين، لأسبوعين خليا، خرجوا للمرة الأولى عن صمتهم ببيان يهدّدون فيه بالاستقالة إن لم يتم تعيين حاكم جديد للمصرف المركزي؟
أسئلة استجدّت أخيراً بعد المواقف المتتالية لكل من النائبين الأول وسيم منصوري والثالث سليم شاهين حول السياسة النقدية، وأهمها ما أعلنه شاهين عن التوجه الى اعتماد منصة جديدة تحل محل منصة صيرفة، فيما تقدم النواب أمس بخطة الى لجنة الإدارة والعدل تلحظ اقتراحاتهم ورؤيتهم للسياسة النقدية في المرحلة المقبلة والإجراءات المطلوب اتخاذها للخروج من الأزمة والسير في مسار التعافي.
لم ينتظر نواب الحاكم انتهاء ولاية سلامة بعد أسبوع من اليوم، حتى باشروا تحرّكاً عملياً في اتجاه المجلس النيابي، في مسعى لتذليل موجة الاستياء التي تفشت بعد بيانهم الأخير، ولا سيما لما حمله من محاولة هروب من تحمّل مسؤولية إدارة المصرف المركزي في ظل شغور كرسيّ الحاكم.
قدّم هؤلاء أمس الى لجنة الإدارة والعدل خطة أرادوا من خلالها تأكيد قدرتهم على تحمّل المسؤولية، وأن لديهم من الجرأة والاستقلالية ما يكفي للخروج عن طاعة الحاكم وتقديم خطة تتجاوز سياسته، تلاقي في الوقت عينه ما يطالب به صندوق النقد الدولي. والخطة الموضوعة باللغة الإنكليزية، وصفها نواب الحاكم بأنها "عالية المستوى، وترمي الى تصحيح السياسة النقدية وبدء مسار التعافي. وهدفها الأساسي تعويم سعر الصرف بطريقة يمكن إدارتها عبر منصة معترف بها دولياً، على نحو يعكس القيمة الحقيقية للعملة الوطنية". وحددت الخطة مهلة زمنية لتنفيذها تمتد على ستة أشهر بالتوازي مع تأمين الاستقرار الاجتماعي وحماية القدرة الشرائية للقطاع العام والفئات الأكثر هشاشة. وتطالب الخطة، نظراً الى التفاعل بين السياستين النقدية والمالية، بإصلاحات مالية أساسية، واستصدار عدد من القوانين وتبنّي إجراءات تستعيد الطلب على الليرة، على أن يكمل المصرف المركزي هذه الإجراءات عبر إصدار التنظيمات الضرورية، وتبنّي البنى التحتية اللازمة ووضع السياسات والإجراءات التي تؤمن الحوكمة وكل المتطلبات الإدارية الأخرى.
وبحسب الخطة، على الحكومة والمجلس النيابي التعهّد بإقرار القوانين من أجل استعادة الثقة وتأمين الإيرادات الإضافية من الموازنة لدفع القروض الجديدة. وتركز الخطة على ٣ محاور: مراجعة الموازنة، حيث ترى الخطة أن الإيرادات الضريبية يجب أن تبلغ ٣ مليارات دولار على الأقل لناتج محلي يبلغ ٢٠ ملياراً. ومع جهود ضبط اقتصاد الكاش وإرساء الإصلاحات، يمكن للإيرادات أن تصل الى ٤،٥ مليارات، وهذا يعني أن على الحكومة أن تعزز إيراداتها عبر إصلاحات أكبر.
المحور الثاني يتمثل بإقرار مشاريع قوانين الكابيتال كونترول (خلال الأسبوعين المقبلين)، إعادة هيكلة القطاع المصرفي والفجوة المالية، مع حماية أموال المودعين، على أن يتم إقرار هذه القوانين ما بين نهاية آب وأيلول المقبلين. وعلى المصرف المركزي التعهّد بوضع القوانين والإجراءات لنقل سوق القطع الى نظام التعويم بنهاية أيلول المقبل مع القدرة على التدخل عند الحاجة (أي التعويم المنظم). ويستمر المركزي ببيع الدولار في السوق عند الإمكان وفقاً للمادتين ٧٥ و٨٣ من قانون النقد والتسليف لتخفيف الضغط على احتياطاته الأجنبية. كما سيتعهد المركزي بالتدخل في السوق، مستعملاً الرزمة التي سيقرّها له البرلمان في الأشهر القليلة المقبلة لتأمين الاستقرار للسعر الموحد للعملة على صيرفة التي ستصبح خاضعة لحركة العرض والطلب فيما سيطلب من وزارة الاقتصاد الضغط لعودة التسعير بالليرة (...) وهذا يقود الى المحور الثالث المتصل بالتنسيق بين المركزي والمصارف والمؤسّسات المالية لهذا الغرض.
لم يتضح بعد ما إن كانت خطة نواب الحاكم ترمي الى احتواء المخاوف من تفلت السوق من عقالها مع انتهاء ولاية سلامة، كما حصل قبل أيام، في ما اعتبر رسالة تحذيرية، وذلك من خلال توجيه تطمينات الى السوق بأن نواب الحاكم قادرون على إدارة الوضع ولديهم الخطة الواضحة لذلك، أو أن الخطة تشكل وسيلة التهديد العملية لكيلا يكون التهديد بالاستقالة مجرد تهويل، وذلك عبر إرساء معادلة مفادها إما السير بالخطة أو الاستقالة، ما دام ثابتًا أنه لن يكون هناك تعيين لحاكم جديد في المدة الباقية من ولاية سلامة.
مصادر سياسية متابعة لم تخف توجّسها من أن يكون وراء كل تلك الحركة، من يسعى الى الدفع نحو الاستقالة، بما فيها استقالة الحاكم ولو على مسافة أيام قليلة من انتهاء ولايته، على نحو يضع الحكومة أمام خيار الطلب الى الجميع تسيير شؤون المركزي.
قد يكون هذا التوجّس في غير محله ولكنه خيار لا يمكن بعد إسقاطه من الحسبان!