الاحداث - كتب المحلل السياسي ايلي الخوري
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر الإقليمي، يعود السؤال القديم نفسه إلى الواجهة في لبنان: هل يمكن أن تشهد البلاد تدخلاً عسكرياً من دولة مجاورة؟ في الأيام الأخيرة، انتشرت تقارير إعلامية وتحليلات تتحدث عن احتمال تدخل عسكري سوري في لبنان، مستندة إلى تسريبات إعلامية تحدثت عن اهتمام دمشق بضرب مواقع لـحزب الله على طول الحدود في منطقة البقاع. غير أن قراءة متأنية للمشهد الإقليمي والوقائع الميدانية توحي بأن ما يجري أقرب إلى إعادة ترتيب أمني على الحدود، وليس مقدمة لاجتياح عسكري.
التقارير التي أثارت الجدل انطلقت أساساً من وسائل إعلام إسرائيلية تحدثت عن احتمال قيام الجيش السوري بضرب مواقع للحزب قرب الحدود اللبنانية. لكن مثل هذه التسريبات ليست جديدة في سياق الصراع الإقليمي، وغالباً ما تكون جزءاً من حرب إعلامية أو محاولة للتأثير في النقاش السياسي داخل لبنان.
في المقابل، تشير المعطيات المتوافرة إلى أن سوريا عززت وجودها العسكري على حدودها مع لبنان عبر نشر وحدات إضافية وقوات استطلاع. إلا أن التفسير الرسمي لهذا الانتشار يضعه في إطار حماية الحدود ومكافحة التهريب ومنع تسلل المسلحين، وهو ملف لطالما شكّل نقطة توتر بين البلدين.
الموقف الرسمي السوري في المرحلة الأخيرة يعكس خطاباً سياسياً مختلفاً عمّا كان سائداً في العقود الماضية. فقد أكد الرئيس السوري أحمد الشرع في أكثر من مناسبة أن بلاده لا تسعى إلى ممارسة نفوذ في لبنان أو التدخل في شؤونه الداخلية، بل إلى بناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل.
وقد تكررت هذه الرسالة خلال لقاءاته مع عدد من المسؤولين اللبنانيين، بينهم رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، كما جاءت في سياق لقاءات سياسية ودبلوماسية متعددة هدفت إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين بعد سنوات طويلة من التوتر.
إلى جانب ذلك، شهدت الأيام الماضية اتصالات سياسية بين دمشق وبيروت، إضافة إلى تأكيدات صادرة عن هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، التي أصدرت بياناً أكدت فيه أن “الجيش السوري عزز انتشاره على طول الحدود السورية مع لبنان كما مع العراق”.
لفهم السلوك السوري اليوم، لا بد من النظر إلى الوضع الداخلي في سوريا. فالبلاد خرجت من حرب طويلة استمرت أكثر من عقد، وتركت آثاراً اقتصادية وأمنية هائلة. وتشير تقديرات دولية إلى أن إعادة إعمار سوريا ستتطلب مئات مليارات الدولارات، ما يجعل الأولوية بالنسبة للقيادة السورية اليوم هي إعادة الاستقرار الداخلي واستعادة الاقتصاد.
إضافة إلى ذلك، ما تزال دمشق تواجه تحديات أمنية داخلية، من بينها نشاط خلايا متشددة في بعض المناطق، فضلاً عن تعقيدات سياسية وعسكرية مرتبطة بإعادة توحيد مؤسسات الدولة. في ظل هذه الظروف، يبدو فتح جبهة جديدة في لبنان خياراً غير منطقي من الناحية الاستراتيجية.
هناك أيضاً بعد دبلوماسي لا يمكن تجاهله. فقد عملت دمشق خلال السنوات الأخيرة على إعادة بناء علاقاتها الخارجية، سواء مع الدول العربية أو مع المجتمع الدولي. هذا المسار الدبلوماسي يمنح سوريا فرصة للخروج تدريجياً من عزلتها، وهو ما قد يتعرض للخطر إذا انخرطت في مغامرة عسكرية خارج حدودها.
من هنا، فإن أي تحرك عسكري مباشر في لبنان سيحمل كلفة سياسية ودبلوماسية كبيرة على دمشق، في وقت تحاول فيه تثبيت صورة جديدة لدورها الإقليمي.
ما يجري على الحدود السورية – اللبنانية قد يكون في جوهره عملية إعادة تنظيم للواقع الأمني الذي نشأ خلال سنوات الحرب السورية، عندما أصبحت الحدود مفتوحة أمام مجموعات مسلحة وشبكات تهريب. واليوم، مع تغير موازين القوى، يبدو أن دمشق تسعى إلى ضبط هذه الحدود بشكل أكثر صرامة.
هذه العملية قد تكون معقدة ومليئة بالتوترات، لكنها لا تعني بالضرورة أن المنطقة مقبلة على مواجهة عسكرية واسعة.
مع ذلك، يبقى الشرق الأوسط منطقة تتبدل فيها المعادلات بسرعة. فالتوازنات السياسية والعسكرية قد تتغير في أي لحظة، خصوصاً في ظل استمرار الصراع الإقليمي المرتبط بـإسرائيل وملف السلاح في لبنان.
ولهذا يبقى السؤال الأهم: هل سيبقى ضبط الحدود والتنسيق الأمني كافيين للحفاظ على الاستقرار بين لبنان وسوريا، أم أن تطورات الصراع في المنطقة قد تدفع الأطراف إلى خيارات أكثر خطورة؟