الاحداث- كتبت صحيفة نداء الوطن تقول:"الإعلان الثلاثي السعودي - الإيراني - الصيني عن استئناف العلاقات الديبلوماسيّة بين الرياض وطهران كان له وقعه السياسي والديبلوماسي على منطقة الشرق الأوسط والعالم. ليس بالأمر العابر "اقتحام" بكين المشهد الإقليمي في هذا التوقيت الدولي بالذات والدخول بقوّة على خطّ "تفكيك ألغام" الصراعات في المنطقة، خصوصاً من باب الخلاف العميق بين المملكة العربيّة السعوديّة والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، عبر تعبيد الطريق أمام إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين، بعد جهود حثيثة في هذا الإطار من قِبل العراق وسلطنة عُمان اللذَين لعبا دوراً محوريّاً في عمليّة التقارب هذه، لا سيّما أن طهران كانت مهتمّة جدّاً باستعادة العلاقات مع الرياض التي اشترطت من ناحيتها مجموعة من المطالب لتحقيق ذلك.
وهذا التقارب المستجدّ سيكون له انعكاسات جيوسياسيّة مرتقبة على دول وساحات عدّة أبرزها اليمن، حيث من المتوقّع تثبيت التهدئة العسكريّة وتمديد الهدنة وصولاً ربّما إلى وضع المداميك الأساسيّة لحلّ سياسي شامل يُنهي الحرب في اليمن، حال استجابة إيران لمطالب السعوديّة بوقف دعمها العسكري للإنقلابيين الحوثيين والضغط عليهم لتقديم تنازلات ضروريّة تُبعد بالدرجة الأولى خطر الصواريخ والمسيّرات الحوثيّة عن المملكة وأمنها بشكل خاص، وعن دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام. وبالتالي، تكون السعوديّة قد حقّقت هدفها بتأمين "حديقتها الخلفيّة" وإنهاء مفاعيل مرحلة تحوّلت فيها إلى منصّة تُهدّد أمن المملكة واستقرارها.
كما ستنعكس الإنفراجة السعوديّة - الإيرانيّة على مملكة البحرين وسيادتها وأمنها واستقرارها، من خلال التعهّد الإيراني بالتزام تطبيق أحد أبرز مقرّرات الإعلان الثلاثي ألا وهو "احترام سيادة الدول وعدم التدخّل في شؤونها الداخليّة"، وهذا الأمر ينطبق أيضاً على دول أخرى تُعاني من التدخّل الإيراني في شؤونها الداخليّة كالعراق وسوريا ولبنان، حيث طلبت الرياض من طهران خصوصاً تخفيف مساعداتها لـ"حزب الله" بشكل تدريجي، على أن يلي ذلك بحث الملفَين العراقي والسوري.
وهذه الدول المعنيّة قد تشهد تسويات سياسيّة داخليّة موَقتة تواكب التحوّلات والتطوّرات في الإقليم، فيما تبقى العبرة في نهاية المطاف بالتنفيذ على أرض الواقع مع الأخذ بالاعتبار تاريخ طهران الحافل في نكس تعهّداتها والتنصّل من التزاماتها متى رأت ذلك يصبّ في مصالحها العابرة للحدود السياسيّة للدول. لكن يرى مراقبون أن لطهران، المحاصرة بمشكلات داخليّة وخارجيّة متفاقمة، مصلحة بإبداء حسن نواياها، أقلّه في المدى المنظور، لما يُشكّله حسن تطبيق الاتفاق مع الرياض من انفراجة ديبلوماسيّة لها، هي بأمسّ الحاجة إليها مع تراكم التعقيدات في علاقاتها الديبلوماسيّة مع الغرب.
وفي هذا السياق، يتصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأميركيّة والقوى الأوروبّية من جهة أخرى، خصوصاً بعد دخول الجمهوريّة الإسلاميّة على خطّ الحرب الروسيّة ضدّ أوكرانيا من خلال تزويدها موسكو بآلاف المسيّرات الانتحاريّة التي تُلحق أضراراً بالغة بالبنى التحتيّة الأوكرانيّة وتتسبّب بمقتل مدنيين وتُهدّد الأمن الأوروبي الجماعي، بينما وللمفارقة تدخل الرياض على خطّ الحرب في أوكرانيا من باب التوسّط بين كييف وموسكو، التي تجمعها بهما علاقات وطيدة، لإيجاد أرضيّة مشتركة لعودة الحوار بينهما تمهيداً للتوصّل إلى حلّ سلمي وإنهاء الحرب.
كما تُسعّر طهران سياسة "ديبلوماسيّة الرهائن" التي تبتزّ من خلالها الغرب عبر توقيف إيرانيين من مزدوجي الجنسيّة والحكم عليهم بأحكام قاسية تصل إلى الإعدام، بغية تعزيز موقعها التفاوضي في أي عمليّة مستقبليّة لتبادل السجناء مع الغرب، الذي يحتجز إيرانيين محكوم عليهم بقضايا جنائيّة وإرهابيّة. ولا تنتهي المعضلة الغربيّة مع إيران هنا فحسب، بل تتخطّاها إلى ما هو أخطر من ذلك بكثير، فبرنامج طهران النووي الذي يؤرق دول المنطقة والمجتمع الدولي منذ سنوات، وصل إلى مرحلة أكثر تقدّماً وخطورة مع رفع طهران نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 83.7 في المئة، أي أقلّ بقليل من نسبة 90 في المئة الضروريّة لإنتاج قنبلة نوويّة.
وهنا لا تزال السعوديّة على موقفها المبدئي والثابت من البرنامج النووي الإيراني ومن ضرورة خلو منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل. وتدخل على خطّ المعضلة النوويّة الإيرانيّة بقوّة إسرائيل، التي هدّدت مراراً على لسان كبار المسؤولين فيها بأنّها لن تسمح لطهران ببلوغ مرحلة تستطيع معها صنع ولو قنبلة ذريّة واحدة. وأمام كلّ هذه الملفات المتكدّسة على مكاتب صنّاع القرار في طهران، يبدو أن القيادة الإيرانيّة تضغط شيئاً فشيئاً على "المكابح" لإعادة التقاط أنفاسها، خصوصاً مع مواجهتها تحدّيات مجتمعيّة وجوديّة داخليّة فرضتها عليها ثورة "إمرأة، حياة، حرّية"، التي باتت تُهدّد مستقبل النظام الإسلامي في طهران للمرّة الأولى منذ نجاح "الثورة الإسلاميّة" في القبض على مقاليد الحكم العام 1979.
وكانت السعودية وإيران والصين قد أعلنت في بيان ثلاثي الاتفاق على استئناف العلاقات الديبلوماسيّة بين الرياض وطهران، وإعادة فتح سفارتيهما وممثلياتهما خلال مدّة أقصاها شهران. وذكر البيان أنه جرت مباحثات في بكين، خلال الفترة من 6 إلى 10 آذار الحالي، بين وفدَي السعودية وإيران برئاسة كلّ من وزير الدولة ومستشار الأمن الوطني السعودي مساعد بن محمد العيبان وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني.
وأوضح البيان أن تلك الخطوات جاءت "استجابةً لمبادرة" من الرئيس الصيني شي جينبينغ، و"رغبة منهما في حلّ الخلافات بينهما من خلال الحوار والديبلوماسية في إطار الروابط الأخوية التي تجمع بينهما، والتزاماً منهما بمبادئ ومقاصد ميثاقَي الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، والمواثيق والأعراف الدوليّة". وأعرب الجانبان السعودي والإيراني عن "تقديرهما وشكرهما لجمهوريّة العراق وسلطنة عُمان لاستضافتهما جولات الحوار التي جرت بين الجانبَين خلال عامَي 2021 و2022".
وتضمّن الاتفاق تأكيدهما على "احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخليّة"، واتفقا أن يعقد وزيرا الخارجيّة في البلدَين اجتماعاً لتفعيل ذلك وترتيب تبادل السفراء ومناقشة سُبل تعزيز العلاقات بينهما. واتفق الطرفان على تفعيل "اتفاقية التعاون الأمني" الموقعة بينهما في العام 2001، و"الاتفاقية العامة للتعاون في مجال الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتقنية والعلوم والثقافة والرياضة والشباب"، الموقعة في العام 1998.
وأكد البيان الموقّع من مدير مكتب الشؤون الخارجيّة في الحزب الشيوعي الصيني وانغ يي والعيبان وشمخاني، أن الدول الثلاث أعربت عن "حرصها على بذل كافة الجهود لتعزيز السلم والأمن الإقليمي والدولي"، فيما وصف وانغ يي المحادثات التي حصلت في بكين بأنها "نصر للسلام"، مشيراً إلى أن الحوار بين الطرفَين قدّم "أنباء جيّدة" للغاية للعالم المضطرب حاليّاً. بالتوازي، سارعت الولايات المتحدة إلى الترحيب بالتقارب السعودي - الإيراني، لكنّها أعربت عن شكوكها في احترام طهران التزاماتها. كما اعتبر البيت الأبيض أنّه "ليس واضحاً إن كان الاتفاق السعودي - الإيراني يعني تطبيع العلاقات مع إسرائيل".
وكان لافتاً موقف الرئيس الأميركي جو بايدن الذي قال ردّاً على سؤال حول استئناف العلاقات السعوديّة - الإيرانيّة: "كلّما كانت العلاقات أفضل بين إسرائيل وجيرانها العرب كان ذلك أفضل للجميع"، فيما حظي الاتفاق السعودي - الإيراني بترحيب واسع بدءاً من دول مجلس التعاون الخليجي مروراً بدول عربيّة كلبنان والعراق ومصر والأردن والجزائر... وصولاً إلى دول إقليميّة كتركيا. كذلك، رحّب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالبيان الثلاثي المشترك، معرباً عن تقديره للصين لاستضافتها هذه المحادثات الأخيرة وتعزيز الحوار بين البلدَين. وشدّد على أن علاقات حسن الجوار بين السعوديّة وإيران "ضروريّة لاستقرار منطقة الخليج"، مجدّداً استعداده لبذل مساعيه الحميدة لدفع الحوار الإقليمي بشكل أكبر لضمان السلام والأمن الدائمَين في منطقة الخليج.