الاحداث- كتب جورج شاهين في صحيفة الجمهورية يقول:"مخطىء من يعتقد ان القيادات اللبنانية سيتعاطون بالمقاييس عينها مع اقتراحات ونصائح مجموعة السفراء الخمسة ممثلي "لقاء باريس" الخماسي. وعلى وقع الفرز الواضح للمواقف من تحركاتهم، توصل المراقبون الى خلاصات ابرزها تلك التي تعزز المخاوف مما يمكن إنجازه وفق الأولويات التي رسمتها. وعلى رغم من تفهم بعض المسؤولين لأهميتها فإن هناك من يستخف بها فيما يستعد آخرون للمواجهة ان سمحت لهم الظروف. وعليه ما الذي تعنيه هذه المعادلة؟
عبر أحد أعضاء مجموعة السفراء الخمسة في لقاء جمعه بشخصيات لبنانية عن جملة مخاوف تطاول جهوده وزملائه الاربعة، مما يمكن ان تؤدي اليه التطورات المتلاحقة على الساحة اللبنانية، ولا سيما منها تلك التي يمكن ان تقود الى اي شكل من اشكال الهزات الامنية والسياسية، قياسا على هامش الحركة التي تتمتع به قوى امتهنت بقدرة قادر منذ فترة طويلة العمل من داخل وخارج السلطة ومؤسساتها معا. فألغت بذلك عددا من العوائق والفوارق الطبيعية بينها. فقد اثبتوا قدرتهم على استدراج بعض اركان السلطة الى التماهي معهم الى درجة استظلوا فيها مواقع شرعية ودستورية منحتهم قوة فائضة طوال السنوات الأخيرة الى ان بلغت مرحلة من السطوة على المقدرات بطريقة عطلوا فيها قطاعات حيوية خرجت عن الخدمة الفعلية، بحيث بات من الصعب اقناعهم بأولويات الحل المطلوب للخروج التدريجي من مجموعة المآزق التي تعيشها البلاد ووقف مسلسل المآسي التي يعيشها اللبنانيون.
لم تستدرج ملاحظات الديبلوماسي العربي ايا من سامعيه الى اي اعتراض، فقد أصاب في قراءته السوداوية للواقع اللبناني الى درجة عبر فيها عما يختلج صدور كثر من ملاحظات لا يمكن البوح بمعظمها. ليس لسبب سوى الإقرار العلني وغير العلني، بعجز السلطات الدستورية والمؤسسات عن القيام بالحد الادنى من واجباتها، او بأي خطوة اصلاحية لأكثر من سبب مبرر وغير مبرر. وهو ما حدّ من القدرة على وضع حد لتجاوزات أدت وما زالت الى مزيد من الانهيارات على اكثر من مستوى. وخصوصا بوجود من فضل غض النظر عن كثير من مثل هذه الممارسات التي تهدد مكسبا مؤقتا كان يتمتع به أو الاحتفاظ بموقع متقدم ولو كان شكليا.
عند هذه الملاحظات والمؤشرات السلبية، توسعت المصادر السياسية والديبلوماسية في قراءتها للتطورات الأخيرة وخصوصا تلك التي أعقبت لقاء باريس، والى جانب سقوط كثير من الرهانات على امكان الإفادة من مبادرة خارجية يمكن ان تسهل المساعي المبذولة للعبور بالاستحقاق الرئاسي الى بر الامان بالإستناد الى اقتناع شبه شامل بأن هذه المحطة تفتح الطريق واسعا في اتجاه ما يليها من استحقاقات دستورية تؤدي بالدرجة الاولى الى اعادة تكوين السلطة بكل مواصفاتها الدستورية والسياسية، واعطاء اشارة لا بد منها، ولو بدائية الى قدرة اللبنانيين على ادارة شؤونهم الداخلية في افضل الظروف تمهيدا لطلب العون الدولي الذي ينتظر اصحابه من حكومات ومؤسسات مانحة ومقرضة تلك اللحظة المهمة التي طال انتظارها.
وعليه، فقد توقفت المصادر عينها أمام اللوحة الفسيفسائية التي رسمتها المواقف الاخيرة، ليس من لقاء باريس الخماسي وما انتهى إليه فحسب، انما من مجموعة الافكار والمبادرات التي سبقته. فاطراف اللقاء كانت لهم أكثر من مبادرة، تم وأد بعضها في المهد، ومنها من عبرت بعض الحواجز الصغيرة قبل ان تصطدم بالكبيرة منها، فتبخرت الآمال التي عقدت عليها. وان توغل البعض في بعض التفاصيل يمكنه العودة الى مسلسل المبادرات التي قادها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بعد جريمة تفجير مرفأ بيروت التي امتدت على مدى عامين، قبل ان يستنجد بحلفائه واصدقائه الأربعة الذين التقوا في العاصمة الفرنسية. علما انهم هم انفسهم كانوا من بين الذين باركوا "المبادرة الكويتية" التي انطلقت قبل عام ورسمت خريطة الطريق الى امكانية احياء الثقه بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي وطي تداعيات العقوبات السعودية التي صدرت قبل عام ونصف عام واستدرجت معظم جاراتها الخليجية الى مثيلات لها ولو بدرجات متفاوتة.
كان يأمل اصحاب هذه الخطوات المنفردة أن يؤدي لقاء باريس الى جمع القوى التي انخرطت في مساعي لاقناع اللبنانيين بحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم بالسرعة المطلوبة، مع استعدادهم الكبير لموافاة اي خطوة ايجابية باكبر منها، قبل ان يكتشفوا ان شيئا لم يتغير وأن العجز اللبناني ما زال متماديا، وان الفشل في مواجهة اي إستحقاق طارىء ومستدام ما زال قائما. ولذلك فقد انصبت الجهود لقراءة ردات الفعل وحجم تاثيرها على ما انتهى اليه اللقاء بما حملته من صدمات متتالية.
وفيما كان معظم القادة اللبنانيين يترقبون البيان الختامي للقاء والآمال التي عقدت على مجموعة من الخبراء المكلفين معالجة الازمة اللبنانية من جوانبها المختلفة، بدأوا بإحصاء المواقف السلبية قبل الإيجابية، فجاءتهم أولى الضربات من الاشرفية قبل ان يغادر ممثلو الأطراف العاصمة الفرنسية وتحديدا في الثامن من شباط على لسان رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" السيد ابراهيم أمين السيد بعد لقائه كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك روفائيل بيدروس الحادي والعشرين ميناسيان عندما رد على سؤال عن رأي الحزب في اللقاء بما حرفيته "لا أعرف قراءة كتب من هذا النوع"، مشيرا الى "أن الخيار الوحيد أمام اللبنانيين هو أن يجلسوا ويتحاورون لانجاز الاستحقاق الرئاسي".
وقبل ان تنجلي نتائج الجولة التي قام بها السفراء الخمسة ومن يمثلهم على كل من رئيسي مجلس النواب والحكومة ووزيرالخارجية جاءتهم الضربة الثانية من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي رفع من سقف المواجهة مع الاميركيين ـ وهم من ابرز اعضاء اللقاء الخماسي ـ محملا إياهم مسؤولية "ما يحصل في لبنان" بعدما اعتبر ان السبب الرئيس لما نعيشه يكمن في"الضغوط الأميركية وسياسة سحب الأموال والودائع بطريقة مدبرة" قبل ان يرفع من لهجته بالقول" ان "عليهم أن يعلموا أنه إذا دفعوا لبنان نحو الفوضى وتألم الشعب اللبناني، فهذا يعني أننا لن نتفرّج بل سنمدّ يدنا إلى من يؤلمكم، حتى لو أدى ذلك الى خيار الحرب مع ربيبتكم إسرائيل".
ولم يكن ما قاله نصرالله صعبا على الفهم، فربطه بين التهديد بتعطيل العمل في "حقل كاريش" بعوائق تؤخر العمل في البلوكات اللبنانية لم يكن مقنعا البتة، بعدما تسارعت الخطى اللوجستية والاستعدادات التقنية لبدء الحفر في اسرع وقت ممكن في البلوك الرقم 9 بشهادة أحد وزرائه وزير الأشغال العامة والنقل على حمية. لكن ربطه بعدم وجود اي جديد في الملف الرئاسي اللبناني رده الى استهداف المسعى الخماسي وضربه قبل ان يستكمل السفراء الخمسة جولتهم على بعض القيادات المعنية بالاستحقاق . فأكد ان الاستحقاق "داخلي ولا أحد يمكنه فرض رئيس على البلد ويجب مواصلة الجهود من أجل البحث عن آفاق واتفاق وتفاهم".
وما زاد في الطين بلة ان مثل هذا السقف العالي للسيد نصرالله لم يكن متوقعا من احد، بعد عملية ترسيم الحدود البحرية وما انتهت إليه مجموعة الوثائق التي أنهت بتوافق جميع الأطراف امكان اللجوء الى اي عمل عسكري في المنطقة. ولذلك فقد تم الربط المنطقي بين هذه التهديدات وما انتهى اليه "اللقاء الخماسي" الباريسي قبل ان يصل اعضاءه الى البحث في ما يمكن القيام به في المرحلة المقبلة. وعليه ما على اللبنانيين سوى ان يكونوا شهودا على مزيد من الانهيارات المتوقعة على اكثر من مستوى.